وقال الآلوسي [1] - رحمه الله - [2] :"وما يقال من أنه لا ذمَّ على من أفسد ولم يعلم, وإنما الذم على من أفسد عن عِلْمٍ, يدفعه أن المُقصِّر في العلم مع التمكن منه مذمومٌ بلا ريب, بل ربما يقال إنه أسوأ حالا من غيره ... وفي التأويلات لعَلَم الهدى: إن هذه الآية حجة على المعتزلة في أن التكليف لا يتوجه بدون العلم بالمكلَّف به وأن الحجة لا تلزم بدون المعرفة, فإن الله تعالى أخبر أن ما صنعوا من النفاق إفسادٌ منهم مع عدم العلم, فلو كان حقيقة العلم شرطًا للتكليف, ولا علمَ لهم به, لم يكن صنيعهم إفسادًا, لأن الإفساد ارتكاب المنهي عنه, فإذا لم يكن النهي قائمًا عليهم عن النفاق لم يكن فعلهم إفسادًا, فحيث كان إفسادًا دل على أن التكليف يعتمد قيامَ آلة العلم والتمكن من المعرفة لا حقيقة المعرفة فيكون حُجةً عليهم" [3] .
وقال الشيخ محمد أبو زهرة رحمه الله:"إمكانُ العلم كافٍ لثبوت العلم وعدمِ قيام عذر الجهل" [4] .
وقال الشيخ وهبة الزحيلي حفظه الله:"شرط التكليف أو المطالبة من المشرع بأمر من الأمور هو: أن يعلم المكلف المخاطب طلب الله للفعل في الواقع, أو يتمكن من علمه ومعرفته بالسؤال والتعلم, ويُفترض وجودُ قرينة على العلم بمجرد وجود الشخص في دار الإسلام, فمتى بلغ الإنسان عاقلا قادرا على أن يتعرف على الأحكام الشرعية بنفسه أو بسؤال أهل الذكر والعلم, صار عالما ونفذت عليه الأحكام, ولا يقبل منه العذر بجهلها ..."
(1) محمود بن عبد الله الحسينى الآلوسي الكبير، مفسر محدث أديب من المجددين، كان سلفي الاعتقاد، مجتهدا, تقلد الإفتاء ببلده وعزل، فانقطع للعلم, توفي سنة (1270 هـ) , من كتبه: روح المعاني في التفسير. [الأعلام: 7/ 176]
(2) في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُون} [البقرة: 11 - 12] .
(3) روح المعاني (1/ 154) .
(4) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي (ص 355) .