6 -الإكراه: وهو حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختار مباشرته لو خُلِّي ونفسَه [1] .
وهو مُلجِئٌ بأن يضطر الفاعل إلى مباشرة المكرَه عليه بما يُفَوِّت النفس أو العضو ولو أُنمُلةً, لأن حرمته كحرمة النفس بغلبة ظنه, فيعدم الرضا ويفسد الاختيار بأن يجعله مستندا إلى اختيار آخر لا أنه يعدمه أصلا.
وغيُر ملجئ إذا كان الحمل على المكرَه عليه بضرب لا يُفضي إلى تَلَف عضو, فإنه يعدم الرضا خاصّة لتمكنه أي المكرَه من الصبر على المكرَه به فلا يفسد الاختيار.
والإكراه ملجئًا كان أو غيرَ ملجئ لا ينافي أهلية الوجوب لقيام الذمة والعقل والبلوغ [2] .
واتفق العلماء على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف, أما غير الملجئ فلا يمنع التكليف عند جمهور العلماء [3] , وللعلماء خلافٌ في كثير من المسائل المتعلقة بالإكراه تُراجع في مظانها.
وهكذا نكون قد أتينا في هذا التمهيد على تعريف الأهلية, وبيان أنها قسمان: أهلية أداء وأهلية وجوب, وأن كلاًّ منهما ناقصة وكاملة, وبيان عوارضهما وأنها قسمان أيضا: سماوية وهي إحدى عشر, ومكتسبة وهي سبعة, فذكرنا ستة وبقي واحد منها, وهو الجهل الذي سنفصل القول فيه في هذا البحث بعون الله تعالى وتوفيقه.
الفصل الأول: تعريف الجهل:
المطلب الأول: التعريف اللغوي للجهل وإطلاقاته:
الجَهْل نقيض العلم [4] من جهِل يَجْهَل جَهْلًا وجَهالةً ضد علِمه [5] ، والمعروف في كلام العرب جهِلت الشيء، إذا لم تعرفه, تقول: مثلي لا يجهل مثلك [6] , والجَهالة أن تفعل فعلا بغير علم [7] . وتقول: جهِل فلان حقَ فلان، وجهِل فلان عليَّ وجهِل بهذا الأمر [8] , وجهِل الحقَّ أضاعه [9] , وتقول: إِن فلانًا لَجَاهِلٌ من فلان أَي جاهِلٌ به, ورجل جاهِلٌ والجمع جُهْلٌ وجُهُلٌ وجُهَّل وجُهَّال وجُهَلاء, قال ابن جني: قالوا جُهَلاء كما قالوا عُلَماء حَمْلًا له على ضدّه, ورجلٌ جَهُول كجاهل والجمع جُهُل وجُهْل [10] , وتجاهل أَرَى من نفسه ذلك وليس به, واستجهله عَدَّه جاهلا واستخفه أيضا [11] , ويطلق الاستجهال كذلك بمعنى الحمل على الجَهْل, كقولهم: استعجله, حمله على العَجَلة, واستزلَّه حمله على
(1) التلويح على التوضيح (2/ 420) .
(2) انظر التقرير والتحبير (2/ 275) .
(3) أصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي (1/ 187 - 188) .
(4) كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي مادة (جهل) , وتهذيب اللغة للأزهري مادة (جهل) , ولسان العرب لابن منظور مادة (جهل) .
(5) القاموس المحيط للفيروزآبادي (جهل) .
(6) تهذيب اللغة (جهل) .
(7) كتاب العين (جهل) , وتهذيب اللغة (جهل) .
(8) تهذيب اللغة (جهل) .
(9) المصباح المنير للفيومي (جهل) .
(10) لسان العرب (جهل) .
(11) مختار الصحاح (جهل) .