بعد اتفاق المسلمين قاطبةً على أن مصدر جميع الأحكام الشرعية هو الله تبارك وتعالى, اختلفوا: هل يمكن للعقل أن يدرك تلك الأحكام من غير طريق النقل؟
وأصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألة التحسين والتقبيح العقليين: فهل حُسْن الأفعال وقبحها يستقل بإدراكه العقل, أو لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق الشرع, فما أمر به الشرع فهو حسن, وما نهى عنه فهو قبيح؟ وهل إذا أدركت عقولنا حسن شيء أو قبحه نكون مطالبين به فعلًا أو تركًا قبل ورود شريعتنا؟ وإذا كنا مطالَبين به, فهل هناك عقاب على المخالفة قبل بعثة الرسل أو لا؟ [1]
أوّلًا لا بد أن نعلم أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان [2] :
1 -كون الشيء ملائما للطبع وكونه منافرا له، فالحلو حسن والمرّ قبيح.
2 -كون الشيء صفة كمال وكونه صفة نقصان، فالعلم حسن والجهل قبيح.
3 -كون الشيء متعلَّق المدح عاجلا والثواب آجلا، وكونه متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا, فالطاعة حسنة والمعصية قبيحة.
فالحسن والقبح بالمعنيين الأولين يَثبُتان بالعقل اتفاقا, وإنما النزاع في المعنى الثالث [3] .
فعند المعتزلة: الأفعال حسنة وقبيحة لذواتها، أو لصفة من صفاتها, فمنها ما هو ضروري, كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار, ومنها ما هو نظري, كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق الضار, ومنها ما لا يُدرك إلا بالشرع, كحسن صوم آخر يوم
(1) انظر أصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي (1/ 115 - 116) , وأصول الفقه لمحمد الخضري بك (ص 21 - 22) .
(2) التلويح إلى كشف حقائق التنقيح للسعد التفتازاني (1/ 374 - 375) , وانظر المستصفى للغزالي (ص 45 - 46) , وشرح الكوكب المنير للفتوحي (1/ 300 - 301) .
(3) التلويح (1/ 375) , وانظر شرح الكوكب المنير (1/ 300 - 301) .