فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 135

فيثبت أو يثبت لشبهة الملك, وكل ذلك يمنع وجوب القطع, لأنه يورث شبهة في وجوبه [1] , وشبهة الدليل أقوى من شبهة الاشتباه [2] .

الفصل الثاني: تحرير ضابط الجهل المعتبر:

بعد النظر والتأمل في الحالات التي ذكرها أهل العلم, يظهر لنا أنهم نصّوا على تلك الحالات بعينها لِمَا لحظوه فيها من مَظِنّةِ عدم بلوغ الحكم الشرعي للمكلَّف, وإلاّ فلو كان عدم علم المكلف بالحكم ناشئا عن تقصير منه, وتقاعس عن طلب العلم بذلك الحكم, فإنهم لا يعذرونه, وبالتالي فلا نستطيع أن نربط العذر بالجهل بمكان كأن نقول: يعذر بالجهل في دار الحرب لأنها دار جهل, فقد مرّ أن من أسلم في دار الحرب إنما يعذر إذا لم يجد من يعلمه, وإلاّ فقد قال الكاساني رحمه الله:"لو وجد ولم يسأله يجب عليه، ويؤاخذ بالقضاء إذا علم بعد ذلك, لأنه ضيّع العلم وما مُنع منه كالذي أسلم في دار الإسلام" [3] , فجعله الكاساني كالذي أسلم في دار الإسلام لأن كلاًّ منهما قادر على درْك الحكم الشرعي, فلا اعتبار بكونه في دار الحرب, والواقع المعاصر خير شاهد على هذا, ففي بعض بلاد الغرب توجد المساجد حيث تقام الدروس العلمية والدورات المكثفة والمحاضرات, إضافة إلى المراكز الإسلامية التي تعنى بشؤون المسلمين, وقد تجد في بعض بلاد المسلمين حظرًا على دروس العلم الشرعي والمحاضرات في المساجد, ففي هذه الحال - والله أعلم - يكون المقيم في هذه البلاد أولى بالعذر ممن هو في بلاد الغرب التي هي على الوصف الذي ذكرناه.

وفي المقابل لا يمكن أن نقول أيضا: لا عذر بالجهل في دار الإسلام لأنها دار العلم, لأن الجهل قد يتعلق بمسألة خفية دقيقة لا يتمكن المكلَّف من الوصول إليها كما بيّنا في الحالة الرابعة, وهذا يختلف من شخص لآخر وهذا ما سيتضح عند الكلام عن ضابط المعلوم من الدين بالضرورة, ثم إن المسائل الخفية يعذر بها حتى قديم الإسلام, وفي هذا

(1) بدائع الصنائع (7/ 70) .

(2) غمز عيون البصائر (3/ 300) .

(3) بدائع الصنائع (1/ 135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت