فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 135

يقول السيوطي رحمه الله:"لا يقبل دعوى الجهل بثبوت الرد بالعيب والأخذ بالشفعة من قديم الإسلام لاشتهاره, وتقبل في ثبوت خيار العتق وفي نفي الولد في الأظهر لأنه لا يعرفه إلا الخواص" [1] , وهذا يدل على أن العذر بالجهل ليس مقصورا على حديث العهد بالإسلام, وإن كان هو أولى بذلك.

كما أنّ ما ذكر في الحالة الثانية من عذر من كان في بادية بعيدة عن العلم مقيَّدٌ بعدم تقصيرهم في طلب المعرفة بحكم الشرع, وإلاّ فإن الإثم يطالهم جميعا, لأنهم مكلَّفون بدفع الجهل عن أنفسهم, وفي هذا يقول ابن حزم رحمه الله:"وكل من كان منّا في بادية لا يجد فيها من يعلّمه شرائع دينه، ففرضٌ على جميعهم، من رجل أو امرأة أن يرْحَلوا إلى مكان يجدون فيه فقيهًا يُعلِّمهم دينهم أو أن يُرحِّلوا إلى أنفسهم فقيها يعلمهم أمور دينهم وإن كان الإمام يعلم ذلك فليرحل إليهم فقيها يعلمهم" [2] .

وأما ما ذكر في الحالة الرابعة من عدم العذر بالجهل فيما عُلم من الدين بالضرورة, فنقول: إنّ المعلوم من الدين بالضرورة ليس أمرا منضبطا, وإنما هو أمر نسبي إضافي يختلف من شخص لآخر ومن بيئة ومكان لآخر, وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله:"كون الشيء معلومًا من الدين ضرورةً أمرٌ إضافي, فحديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة قد لا يعلم هذا [3] بالكلية فضلا عن كونه يعلمه بالضرورة, وكثير من العلماء يعلم بالضرورة أن النبي / سجد للسهو وقضى بالدية على العاقلة وقضى أن الولد للفراش, وغير ذلك مما يعلمه الخاصة بالضرورة وأكثر الناس لا يعلمه البتة" [4] . ويقول ابن القيم رحمه الله:"من المعلوم بالضرورة أن الشيء الواحد يكون مجهولا عند رجل أو طائفة ومعلوما عند آخر وضروريا عند شخص ونظريا عند آخر, والاشتراك في المعلومات الضروريات غير واجب"

(1) الأشباه والنظائر (ص 413) .

(2) الإحكام في أصول الأحكام (5/ 110) .

(3) إشارة إلى ما ذكره قبل ذلك من وجوب الصلاة والزكاة والحج واستقبال القبلة ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة وتحريم الخمر والفواحش وغير ذلك مما يعلم من الدين ضرورةً.

(4) مجموع الفتاوى (13/ 118) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت