ولا واقع, والواقع خلافه, فالصحابة كانوا يعلمون من أحوال النبي بالاضطرار ما لم يعلمه غيرهم, وكان أبو بكر يعلم من حال رسول الله وكلامه يقينا ما لا يعلمه غيره ولا يفهمه, كما قال أبو سعيد الخدري: وكان أبو بكر أعلمنا به, وكان التابعون يعلمون من أحوال الصحابة بالاضطرار ما لا يعلمه غيرهم, والفقهاء وأهل الحديث يعلمون بالاضطرار أن النبي سجد سجدتي السهو في الصلاة وقضى بالشُّفْعة وجعل الدّية على العاقلة وأخبر أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كلَّ ليلة وأنه يُرى بالأبصار جَهْرةً يومَ القيامة وأنه يُدخِل النارَ قومًا من أهل التوحيد ثم يخرجهم بالشفاعة وأنه أخبر بخروج الدجال ونزول المسيح من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يجهله كثير من الناس, ومن أقرّ به فهو عنده ظني, وأهل الحديث جازمون به متيقنون له كتيقنهم أنه بُعث من مكة وهاجر إلى المدينة ومات بها, وأهل المغازي والسِّيَر والحديث يعلمون بالاضطرار أن غزوة بدر كانت قبل أُحُد وأن أحدا قبل الخندق والخندق قبل الحديبية والحديبية قبل خيبر وخيبر قبل فتح مكة وفتح مكة قبل حنين وحنين قبل الطائف والطائف قبل تبوك وتبوك آخر الغزوات ولم يكن فيها قتال وكان الغزو فيها للنصارى أهل الكتاب وفي خيبر لليهود وفي بدر وأحد للمشركين وأنه أوقع باليهود أربع مرات ببني قينقاع وكانت بعد بدر وبالنضير وكانت بعد أحد وبقريظة وكانت بعد الخندق وبأهل خيبر وكانت بعد الحديبية, وأكثر الناس بل كثير من العلماء والفقهاء لا يعلمون هذا التفصيل, وكذلك العلماء بالتفسير والحديث يعلمون بالاضطرار أن سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال وبراءة مدنيات نزلن بعد الهجرة وسورة الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف والكهف والنحل مكيات نزلن قبل الهجرة, وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ضرورة ولا نظرا, فليس المعلوم من أقوال الرسول وسيرته ومراده بكلامه أمرا مشتركا بين جميع الناس ولا بين المسلمين ولا بين العلماء" [1] ."
صفوة القول بعد الذي ذكرناه: أن إطلاق القول بالعذر بالجهل أو بعدمه بناءً على الحالات التي ذُكرت قد لا يكون سديدا, فالأمر يحتاج إلى مزيد ضبط وتحرير.
(1) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (2/ 660 - 662) .