فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 135

فإن قال قائل: إن كان الأمر على ما وصفتَ, فما هو الضابط الذي بإمكاننا أن نعتبره في جميع المكلَّفين وفي كل الأمكنة والأزمنة والأحوال؟

الجواب: أن الضابط المُحكَم الذي ترجع إليه كل الحالات التي ذكرها أهل العلم والذي أناطوا به هذه المسألة وبناءً عليه ذكروا تلك الحالات, إنما هو التمكّن من التعلّم، فمن كان من المكلَّفين متمكنًا من التعلُّم قادرًا على الوصول إلى الحكم الشرعي ولم يتعلّم فهو مُقصِّرٌ آثمٌ غيرُ معذور، ومن كان غيرَ متمكّنٍ من ذلك فهو معذور بجهله معفوّ عنه حتى تقوم عليه الحُجّة التي ينقطع بها عذره, فاعتبِرْ هذا الضابط في كل ما يمر معك من مسائل العذر بالجهل, وكلُّ كلامٍ للعلماء في العذر بالجهل إنما هو مقيَّد بهذا الضابط.

ثم ننبه هنا على مسألة مهمة, وهي أن الناظر في مسألة العذر بالجهل, ونظائرها من المباحث الشائكة, لا بدّ له من جمع كلام العلماء, وعدم الاكتفاء بكلام بعضهم دون بعض, فكلام العلماء يفسر بعضه بعضا, ويوضح بعضه بعضا, حتى العالم الواحد قد تجد له قولا مطلقا في موضع ثم ترى له قولا آخر في موضع آخر يقيّد قوله الأول, أو يكون كلامه مجملا في موضع, مبيَّنا مفصَّلا في موضع آخر, فالعجلة في مثل هذه الحال غير محمودة, وقد تؤول بصاحبها إلى نتائج خاطئة ينسبها إلى الدين ودين الله تعالى منها براء, فالواجب على الباحث أن يمعن النظر في كلام أهل العلم وأن يدقق في فهمه, فقد يتبادر للناظر شيء من التعارض بين الأقوال, والواقع خلاف ذلك, والواجب في مثل هذا المقام التوفيق والجمع بين كلام أهل العلم شريطة عدم التكلّف, وهذا يُجنِّبنا نسبة التناقض والتعارض إلى كلام العلماء.

وبعدُ, فإليك طائفة من أقوال العلماء من مختلف المدارس الفقهية المعتبرة لدى أهل السنة والجماعة, مع أقوال لبعض المعاصرين, تبيّن الضابط الذي ذكرناه.

قال الكاساني رحمه الله:"حقيقة العلم ليست بشرط في بناء الأحكام عليه, بل المعتبر هو سبب حصول العلم والطريق الموصل إليه, ويقام ذلك مُقام حقيقة العلم كما يقام"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت