فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 135

ويقول الشيخ ناصر الدين أبو القاسم السمرقندي - رحمه الله - في كتابه «رياضة الأخلاق» [1] :"وأما إذا انتشر الخطاب في دار الإسلام فقد تمَّ التبليغ من صاحب الشّرع, إذ ليس في وُسعه التبليغ إلى كل واحد, إنما الذي في وسعه الإشاعة, ألا ترى أن النبي / جعل نفسه مبلغا إلى الكافة ببعث الرسل والكتب إلى ملوك الأطراف, حتى كان يقول: ألا هل بلغت, اللهم فاشهد, فعُلم أن التبليغ يتم باشتهار الخطاب واستفاضته, فمن جهل من بعد شهرته فإنما من قِبَل تقصيره, لأن الخطاب صار متيسَّر الإصابة بالاشتهار, لا من قبل خفاء الدليل".

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة [2] رحمه الله:"لا يصح لأحد يقيم في الديار الإسلامية من المسلمين أن يدعي أنه يجهل تحريم الخمر, أو يدعي أنه يجهل تحريم الزنى, ففرض العلم بالشريعة وأحكامها أمر ثابت لا يسع مسلما يقيم في بلاد المسلمين الجهل به" [3] .

الحالة الثانية: من نشأ ببادية أو بقعة نائية يَندُر فيها وجود العلم وأهلِه.

يقول ابن تيمية رحمه الله:"اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان وكان حديث العهد بالاسلام فأنكر شيئا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول" [4] .

ولعلّ في قول النبي /:"من سكن البادية جفا" [5] إشارةً إلى هذا, فقد قال المباركفوري رحمه الله:"قوله «من سكن البادية جفا» أي جَهِل, قال تعالى: الأَعْرَابُ"

(1) نقله عنه الشيخ إبراهيم المختار الجبرتي الزيلعي في تحقيقه لشرح العلامة الأمير على منظومة بهرام في المسائل التي لا يعذر فيها بالجهل على مذهب الإمام مالك (ص 29) .

(2) محمد بن أحمد أبو زهرة, أكبر علماء الشريعة الإسلامية في عصره, أصدر من تأليفه أكثر من 40 كتابا، منها: الوحدة الإسلامية, وكانت وفاته بالقاهرة سنة (1394 هـ) . [الأعلام: 6/ 25 - 26]

(3) الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي (ص 354) .

(4) مجموع الفتاوى (11/ 407) .

(5) رواه أحمد في مسنده (1/ 357) وأبو داود في كتاب الصّيْد من السنن برقم (2859) والترمذي في كتاب الفتن من جامعه (2256) والنسائي في كتاب الصيد والذبائح من السنن (7/ 195) , من حديث ابن عباس, والحديث بتمامه:"من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتُتِن". وقد سكت عنه ابن حجر في الفتح (9/ 602) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت