والصواب في هذا الباب كلِّه أن الحكم لا يثبت إلا مع التمكن من العلم, وأنه لا يَقضي ما لم يَعلم وجوبَه, فقد ثبت في الصحيح أن من الصحابة من أكل بعد طلوع الفجر في رمضان حتى تبيّن له الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يأمرهم النبي / بالقضاء, ومنهم من كان يمكُث جُنُبًا مدةً لا يصلي ولم يكن يعلم جواز الصلاة بالتيمم كأبي ذر وعمر ابن الخطاب وعمار لما أجنب ولم يأمر النبي أحدًا منهم بالقضاء, ولا شك أن خلقا من المسلمين بمكة والبوادي صاروا يصلون إلى بيت المقدس حتى بلغهم النسخ ولم يؤمروا بالإعادة ومثلُ هذا كثير, وهذا يطابق الأصل الذي عليه السلف والجمهور: أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها, فالوجوب مشروط بالقدرة, والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور أو فعل محظور بعد قيام الحجة" [1] ."
ويقول الشيخ ناصر الدين أبو القاسم السمرقندي [2] - رحمه الله - في كتابه «رياضة الأخلاق» - مُعلِّلا عذر المسلم بالجهل في دار الحرب:"لأنه غير مقصّر في طلب الدليل, وإنما جاء الجهل من قِبَل خفاء الدليل في نفسه حيث لم يشتهر في دار الحرب بسبب انقطاع ولاية التبليغ عنهم, فهو بمنزلة الخطاب في أول ما ينزل, فإنه خفيٌّ في حق من لم يبلغه من المسلمين لعدم استفاضته بينهم, فيصير الجهل به عذرا, كما في قصة أهل قُباء [3] فإنهم صلَّوْا صلاة الظهر إلى بيت المقدس بعد نزول فرض التوجه إلى الكعبة, وافتتحوا العصر متوجهين إليه أيضا, وأُخبروا بتحويل القبلة إلى الكعبة وهم في الصلاة فتوجهوا إليها وأتموا صلاتهم, وجوَّز ذلك رسول الله / لأن الخطاب لم يبلغهم, وكقصة تحريم الخمر, فإن بعض الصحابة كانوا في سفر فشربوا بعد التحريم لعدم علمهم لتحريمها,"
(1) مجموع الفتاوى (19/ 226 - 227) .
(2) هو محمد بن يوسف العلوي الحسني أبو القاسم ناصر الدين المدني السمرقندي, فقيه حنفي عالم بالتفسير والحديث والوعظ من أهل سمرقند, من كتبه: مصابيح السبل, في فقه الحنفية، توفي سنة (556 هـ) . [الأعلام: 7/ 149]
(3) موضع بقرب مدينة النبي / من جهة الجنوب نحو ميلين, وهو بضم القاف يقصر ويمد ويصرف ولا يصرف. [المصباح المنير: 2/ 489]