تعالى به وإن لم يبلغه فهو قولنا, وإن قلتم: هو غير مأمور بما أمره الله تعالى به أو أنه مأمور بما هو عليه من خلاف ما أمر الله تعالى به كان ذلك شَغَبًا بشيعًا.
قلنا - وبالله التوفيق: لسنا نقول بواحد من هذين الجوابين, لكنا نقول: هو غير مأمور في ذلك بشيء أصلًا حتى يبلغه, وحالُه في ذلك كحال من لم يَبلُغ حدَّ التكليف حتى يبلغ" [1] ."
وقال ابن تيمية رحمه الله:"الشرائع هل تلزم من لم يعلمها أم لا تلزم أحدا إلا بعد العلم, أو يُفَرَّق بين الشرائع الناسخة والمبتدَأة, هذا فيه ثلاثة أقوال هي ثلاثة أوجه [2] في مذهب أحمد, ذكر القاضي أبو يعلى [3] الوجهين المطلَقين في كتاب له, وذكر هو وغيره الوجه المفرِّق في أصول الفقه, وهو أن النسخ [4] لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه الناسخ, وأخرج أبو الخطاب [5] وجها في ثبوته, ومن هذا الباب من ترك الطهارة الواجبة ولم يكن عَلِم بوجوبها أو صلّى في الموضع المنهيّ عنه قبل علمه بالنهي, هل يعيد الصلاة؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد."
(1) الإحكام في أصول الأحكام (1/ 59 - 61) .
(2) مصطلح"الوجه"هو أحد طرق استنباط المذهب حيث يُستخرج للمسألة حكمٌ من مسألة مشابهة وفق قواعد الإمام وأصوله, يقول المرداوي:"فأما الوجه فهو قول بعض الأصحاب وتخريجه إن كان مأخوذا من قواعد الإمام أحمد / أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته". [مصطلحات المذاهب الفقهية لمريم الظفيري: ص 350]
(3) محمد بن الحسين ابن الفراء، أبو يعلى, عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون, من كتبه: الأحكام السلطانية, والعدة في أصول الفقه, توفي سنة (458 هـ) . [الأعلام: 6/ 99 - 100]
(4) النَّسْخ في اللغة: الرفع والإزالة, ومنه: نسختِ الشمسُ الظل, ونسخت الريح الأثر, وقد يُطلق لإرادة ما يشبه النقل, كقولهم: نسخت الكتاب, فأما النسخ في الشرع: فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير, وحَدُّه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ عنه, ومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتا. [روضة الناظر لابن قدامة: ص 69]
(5) محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، أبو الخطاب, إمام الحنبلية في عصره, من كتبه: التمهيد في أصول الفقه، والهداية في الفقه, توفي سنة (510 هـ) . [الأعلام: 5/ 291]