فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 135

فصحَّ كما أوردنا أنه لا نِذارة إلا بعد بلوغ الشريعة إلى المنذَر وأنه لا يكلَّف أحد ما ليس في وُسْعه وليس في وسع أحد علمُ الغيب في أن يعرف شريعة قبل أن تبلغ إليه فصحّ يقينا أن من لم تبلغه الشريعة لم يُكلَّفْها.

واحتجت الطائفة الأخرى بقول رسول الله /:"إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر" [1] , فسماه عليه السلام مخطئا ولا يكون المخطئ إلا من خالف ما أمر به.

قال أبو محمد: وهذا الخبر لا حجةَ لهم فيه بل هو حجة لنا وبه نقول, لأنه قد يكون مخطئا من لا يوافق الحق وإن لم يكن مأمورا بالعمل به, كإنسان سمى آخرَ بغير اسمه غيرَ عامدٍ فهذا مخطئ ولا أمرَ يلزمه ها هنا, وكمن أنشد بيت شِعر فوَهِم فيه فهو مخطئ بلا شك, وهذا المجتهد مخطئ بلا شك إذا حكم بخلاف ما ورد به الحكم من عند الله عز وجل وأدخل في الدين ما ليس منه, وإن كان غيرَ مأمور بالحكم بما لم يبلغه فإنه منهي عن الحكم بما ظن أنه حق وهو غير حق, وأما إذا بلغه فإنه مأمور به وإن نسيه لأنه قد بلغه ولزمه.

فإن قال قائل: لو كان ما قلتم لكان الدين لازما لبعض الناس لا لكُلِّهم.

قلنا - وبالله التوفيق: ليس كذلك بل الدين لازم للجن والإنس إذا بلغهم, نعم ولكل من لم يُخلق بعدُ إذا خُلق وبلغه وبلغ حدَّ التكليف لا قبل ذلك, وأنتم لا تخالفوننا في الشريعة أنها لا تلزم من لم يخلق قبل أن يخلق ولا من لم يَبلُغ قبل أن يبلغ.

فإن قالوا: فكيف حال من لم يبلغه الأمر؟ أهو مأمور بما هو عليه من خلاف ما أمره الله تعالى به مما لم يبلغه؟ ولا سبيل إلى قسم ثالث, فإن قلتم: هو مأمور بما أمره الله

(1) رواه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه برقم (6919) ومسلم في كتاب الأقضية من صحيحه برقم (1716) من حديث عمرو بن العاص /, والحديث بتمامه:"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت