الله تعالى إليهم: ادخلوا النار, فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما" [1] , وعن أبي هريرة بمثله, وزاد في آخره:"ومن لم يدخلها دخل النار [2] " [3] ."
(1) رواه أحمد في مسنده (4/ 24) بإسناد جيد كما في تحقيق الألباني لرفع الأستار للصنعاني (ص 113) , وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 436) : رجاله رجال الصحيح, ورواه البزار كما في مجمع الزوائد (7/ 436) , ورواه ابن حبان في صحيحه (16/ 356) , والطبراني في الكبير (1/ 287) بإسناد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3/ 419) , وصحّح الحديث عبد الحق الإشبيلي في العاقبةُ في ذكر الموت (ص 317) , وروى البيهقي في الاعتقاد (ص 169) عن أبي هريرة / عن النبي / بنحو من هذا, وقال: هذا إسناد صحيح, ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (15/ 54) موقوفا على أبي هريرة, ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .
(2) الزيادة التي وقفت عليها:"ومن لم يدخلها يسحب إليها"وهي في مسند الإمام أحمد (4/ 24) , وفي السنة لابن أبي عاصم (355) كما في صحيحة الألباني (3/ 419) .
(3) قال ابن حزم رحمه الله في الفِصَل (3/ 74) : وأما المجانين ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوة نبي ومن أدركه الإسلام وقد هرم أو أصم لا يسمع فقد صح عن رسول الله / أنه تبعث لهم يوم القيامة نار موقدة ويؤمرون بدخولها فمن دخلها كانت عليه بردا أو دخل الجنة أو كلاما هذا معناه, فنحن نؤمن بهذا ونُقِرُّ به ولا علم لنا إلا ما علمنا الله تعالى على لسان رسوله /.
وقال عبد الحق الإشبيلي رحمه الله في العاقبة في ذكر الموت (ص 317) ـ عن حديث الأسود بن سريع ـ: قد جاء هذا الحديث وهو صحيح فيما أعلم والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل ولكن الله يختص من شاء بما شاء ويكلف من شاء بما شاء وحيث شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في الإصابة (7/ 241) أنه جمع طرق الحديث في جزء مفرد.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (3/ 32) : أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن, وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها.
وقال الحافظ في الفتح (3/ 246 - 247) : قد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة, وحكى البيهقي في كتاب الاعتقاد أنه المذهب الصحيح, وتُعُقِّب بأن الآخرة ليست دارَ تكليف فلا عمل فيها ولا ابتلاء, وأجيب بأن ذلك بعد أن يقع الاستقرار في الجنة أو النار, وأما في عرصات القيامة فلا مانع من ذلك وقد قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] وفي الصحيحين أن الناس يؤمرون بالسجود فيصير ظهر المنافق طبقا فلا يستطيع أن يسجد.
وقال ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح (2/ 298) : من لم تقم عليه الحجة في الدنيا بالرسالة كالأطفال والمجانين وأهل الفترات، فهؤلاء فيهم أقوال, أظهرها: ما جاءت به الآثار أنهم يمتحنون يوم القيامة فيبعث إليهم من يأمرهم بطاعته، فإن أطاعوه استحقوا الثواب، وإن عصوه استحقوا العذاب.
وقال في مجموع الفتاوى (14/ 477) : لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولا، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه، فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لايدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون، والميت في الفترة المحضة، فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار. وقال أيضا (17/ 308 - 309) : وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة, وقد زعم بعضهم أن هذا يخالف دين المسلمين، فإن الآخرة لا تكليف فيها، وليس كما قال، إنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء الجنة أو النار، وإلا فَهُم في قبورهم ممتحنون ومفتونون، يقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وكذلك في عَرَصات القيامة يقال: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون.
وقال ابن القيم في طريق الهجرتين (ص 591 - 592) - بعد أن ذكر أحاديث في الامتحان يوم القيامة: فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة، نقله عنهم الأشعري رحمه الله في المقالات وغيرها.
لكنَّ ابن عبد البر قال في التمهيد (18/ 130) - بعد أن ذكر أحاديث الامتحان في الآخرة بأسانيدها: وجملة القول في أحاديث هذا الباب كلها ما ذكرت منها وما لم أذكر أنها من أحاديث الشيوخ وفيها علل وليست من أحاديث الأئمة الفقهاء وهو أصل عظيم والقطع فيه بمثل هذه الأحاديث ضعف في العلم والنظر مع أنه عارضها ما هو أقوى منها والله أعلم والله الموفق للصواب.
وقال في الاستذكار (3/ 114) : وهي كلها أسانيد ليست بالقوية ولا يقوم بها حجة وقد ذكرناها بأسانيدها في التمهيد, وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب لأن الآخرة دار جزاء وليست دار عمل ولا ابتلاء, وكيف يُكلَّفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يخلو أمر من مات في الفترة من أن يموت كافرا أو غير كافر إذا لم يكفر بكتاب الله ولا رسول, فإن كان قد مات كافرا جاحدا فإن الله قد حرّم الجنة على الكافرين فكيف يمتحنون, وإن كان معذورا بأن لم يأته نذير ولا أرسل إليه رسول فكيف يؤمر أن يقتحم النار وهي أشد العذاب, والطفل ومن لا يعقل أحرى بأن لا يمتحن بذلك, وإنما أدخل العلماء في هذا الباب النظر لأنه لم يصح عندهم فيه الأثر وبالله التوفيق لا شريك له.
وجوابًا على ذلك يقول ابن القيم رحمه الله في طريق الهجرتين (ص 592 - 595) : فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها. فالجواب من وجوه: (أحدها) أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها. (الثاني) أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجَب هذه الأحاديث. (الثالث) أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التي يحتج بها في الأحكام، ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلي بن المديني. (الرابع) أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقي عن غير واحد من السلف. (الخامس) ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولا إليها أن الله سبحانه وتعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره فيقول الله تعالى: ما أغدرك, وهذا الغدر منه لمخالفته للعهد الذي عاهد ربه عليه. (السادس) قوله: وليس ذلك في وسع المخلوقين, جوابه من وجهين، أحدهما: أن ذلك ليس تكليفا بما ليس في الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بني إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا في الذي يرونه نارًا. الثاني: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرَّهم، وكانت بردًا وسلامًا، فلم يكلفوا بممتنِع ولا بما لم يُستطع. (السابع) أنه قد ثبت أنه سبحانه وتعالى يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه، وهذا تكليف بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف ينكر التكليف بدخول النار في رأي العين إذا كانت سببا للنجاة؟ كما جعل قطع الصراط الذي هو أدق من الشعرة وأحدّ من السيف سببا كما قال أبو سعيد الخدري: بلغني أنه أدق من الشعرة وأحد من السيف. رواه مسلم، فركوب هذا الصراط الذي هو في غاية المشقة كالنار ولهذا كلاهما يفضي منه إلى النجاة والله أعلم. (الثامن) أن هذا استبعادٌ مجردٌ لا تُرَدّ بمثله الأحاديث، والناس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفي أن يكون هذا التكليف موافقا للحكمة، بل الأدلة الصحيحة تدل على أنه مقتضى الحكمة كما ذكرناه. (التاسع) أن في أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأمرهم به، فيأمرهم أن يدخلوا نار الامتحان، فيتركون الدخول معصيةً لأمره لا لعجزهم عنه، فكيف يقال إنه ليس في الوسع. فإن قيل: فالآخرة دار جزاء، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأما في البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع، وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين في البرزخ وهي تكليف, وأما في عرصة القيامة فقال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [القلم: 42] فهذا صريح في أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يُحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف بما لا يطاق حينئذ حِسًّا عقوبةً لهم، لأنهم كُلِّفوا به في الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم ولا يقدرون عليه حسرةً عليهم وعقوبةً لهم، ولهذا قال تعالى: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم: 43] دعوا إليه في وقت حِيلَ بينهم وبينه كما في الصحيح من حديث زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد /: أن ناسا قالوا: يارسول الله، هل نرى ربنا, فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فيقول تتبع كل أمة ما كانت تعبد, فيقول المؤمنون: فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كُنا إليهم، ولم نصاحبهم, فيقول: أنا ربكم, فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون نعم, فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقا واحدا كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه ثم يرفعون رءوسهم, وذكر الحديث. وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب في الدنيا طوعا واختيارا أجاب في البرزخ، ومن امتنع من الإجابة في الدنيا مُنع منها في البرزخ، ولم يكن تكليفه في الحال وهو غير قادر قبيحا, بل هو مقتضى الحكمة الإلهية لأنه مكلف وقت القدرة وأبى، فإذا كُلف وقتَ العجز وقد حِيلَ بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة, والمقصود أن التكليف لاينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار, وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف في عرصة القيامة، فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة, فعُلم أن الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأتلف به النصوص ومقتضى الحكمة هذا القول والله أعلم اهـ.
بقي إشكال, وهو ورود بعض الأحاديث المصرحة بأن بعض أهل الجاهلية - وهي الفترة قبل بعثة المصطفى / - يدخلون النار, فقد روى البخاري في كتاب المناقب من صحيحه برقم (3333) ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها من صحيحه برقم (2856) عن أبي هريرة قال: قال النبي /: رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب. وروى مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه برقم (347) عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار, فلما قفى دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص 15) - بعد أن ذكر اختلاف العلماء في أهل الفترة وأدلتهم: والذي يظهر رجحانه بالدليل هو الجمع بين الأدلة, لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف كما أشار له في المراقي بقوله: والجمع واجب متى ما أمكنا .. الخ. ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ومن امتنع عذب بالنار وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل, وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين, وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان, وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا, ويحمل كل واحد من القولين على بعض منهم عَلِم الله مصيرهم, وأعلم به نبيه /، فيزول التعارض.