وهكذا الواطء بشبهة, فيه مهرُ المثل لإتلاف منفعة البُضْع [1] دون الحدّ, ومن قتل جاهلا بتحريم القتل لا قصاص عليه, وكذا قتلُ الخطأِ فيه الديةُ والكفارة دون القصاص [2] .
لكنْ لقائل أن يقول: الجناية سبب للقصاص, والسبب من الأحكام الوضعية التي لا يشترط لها العلم, فكيف يعذر فيها بالجهل؟
قال الفتوحي رحمه الله:"ويستثنى من عدم اشتراط العلم والقدرة قاعدتان:"
أشير إلى الأولى منهما بقوله (إلا سببَ عقوبة) كالقصاص, فإنه لا يجب على مخطئ في القتل، لعدم العلم، وحدِّ الزنا، فإنه لا يجب على من وطئ أجنبية يظنها زوجته، لعدم العلم أيضا، ولا على من أُكرِهت على الزنا، لعدم القدرة على الامتناع, إذ العقوبات تستدعي وجود الجنايات التي تُنتهَك بها حرمةُ الشرع زجرًا عنها وردعًا، والانتهاك إنما يتحقق مع العلم والقدرة والاختيار, والمختارُ للفعل هو الذي إن شاء فعل، وإن شاء ترك, والجاهل والمكرَه قد انتفى ذلك فيهما، وهو شرط تحقق الانتهاك لانتفاء شرطه، فتنتفي العقوبة لانتفاء سببها.
وأما القاعدة الثانية: فأشير إليها بقوله (أو) إلا (نقلَ مِلْك) كالبيع والهبة والوصية ونحوها، فإنه يشترط فيها العلم والقدرة, فلو تلفظ بلفظ ناقل للملك، وهو لا يعلم مقتضاه، لكونه أعجميا بين العرب، أو عربيا بين العجم، أو أُكره على ذلك: لم يلزمه مقتضاه.
والحكمة في استثناء هاتين القاعدتين: عدم تعدّي الشرع قانونَ العدل في الخلق، والرفق بهم، وإعفائهم عن تكليف المشاق، أو التكليف بما لا يطاق، وهو حليم" [3] ."
(1) معناه الفَرْج, فإنّ البُضْعُ بالضم يطلق على الفرج والجماع, ويطلق على التزويج أيضا, كالنكاح يطلق على العقد والجماع. [المصباح المنير مادة (بضع) ]
(2) الأشباه والنظائر (ص 407) .
(3) شرح الكوكب المنير (1/ 437 - 438) .