يتناول الباحث في هذا المقام حكم إلزام الضمان على العامل في عقد المضاربة ذاكرا أقوال الفقهاء في المسألة وعارضا أدلتهم.
وقبل البحث في صلب المسألة يجدر بالذكر أن الأصل في باب المضاربة أن يد المضارب يد الأمانة بمعنى أنه أمين وأن رأس المال أمانة في يده، فشأنه شأن الوكيل والوديع وسائر الأمناء.
قال ابن المنذر:"أجمع كل من نحفظ عنهم من أهل العلم أن القول قول العامل في قدر رأس المال" [1] .
وقال الباجي:"أن العامل يأخذ المال القراض ويعمل فيه ولا يكون عليه الضمان وإنما هو من ضمان رب المال ولا خلاف في ذلك" [2] .
ومعنى كون يد المضارب يد أمانة أنه أمين لا يتحمل ما يقع من خسارة أو تلف ما تحت يده من الأموال، إلا بالتعدي أو التقصير.
أما الكلام في مسألتنا وهي حكم إلزام الضمان على المضارب، فقد اختلف الفقهاء إلى قولين:
القول الأول: عدم جواز الضمان.
هذا القول ذهب إليه جماهير أهل العلم من الحنفية [3] والمالكية [4] والشافعية والحنابلة. [5]
واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما يلي:
أولا: أن الأصل في طبيعة المضاربة كون المضارب أمينا لا يضمن. فإلزامه الضمان يفضي إلى تغيير صورة المضاربة وطبيعتها. يقول الباجي مبينا طبيعة هذا العقد:"إن من سنَّة القراض ما قدَّمناه من"
(1) انظر: ابن قدامة، المغني 5/ 55.
(2) انظر: الباجي، المنتقى شرح الموطأ، 5/ 153.
(3) انظر: ابن نجيم، البحر الرائق، 7/ 274.
(4) انظر: ابن رشد الحفيد، بداية المجتهد، 4/ 22، وابن جزي، القوانين الفقهية، ص: 186.
(5) انظر: ابن قدامة، المغني، 5/ 165، وابن مفلح، المبدع، 5/ 10، والمرداوي، الإنصاف 6، /113.