محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات، التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، وهي جارية فيما جرت فيه الأوليات" [1] ."
ولربما يتساءل أحد هنا فيقول: لماذا أدخل مكارم الأخلاق في التحسينيات مع أن الأخلاق أمر ضروري للحياة؟ والجواب هو أن من تأمل كلامه-الشاطبي رحمه الله- يجده ذكر"مكارم"الأخلاق، أي ما كرم وزاد عن الحاجة، أما الأخلاق الأساسية فلا شك أنها من الضروريات؛ فتجنب الزنا خلق، وعدم السرقة خلق، وتجنب قتل النفس بغير حق خلق ... وهذه كلها من الضروريات. [2]
وأمثلة المصالح التحسينية كثيرة في الشريعة الإسلامية، كأحكام النجاسات وآداب الأكل والنوم واللباس ... يقول عبد الله الشنقيطي:
وما يتم لدى الحذاق ... - - ... حث على مكارم الأخلاق
منه موافق أصول المذهب ... - - ... كسلب إلا عبد شريف المنصب
وحرمة القذر والإنفاق ... - - ... على الأقارب ذوي الإملاق [3] [4]
إن الشارع الحكيم هو المعين الأول للمصالح. وكل مصلحة توزن بحسب قربها أو بعدها من تعيينه؛ يقول الإمام الرازي: «وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها إذا ظن أن الشارع التفت إليها، وكلما كان التفات الشارع إليه أكثر، كان ظن كونه معتبرا أقوى، وكلما كان الوصف والحكم أخص، كان ظن كون ذلك الوصف معتبرا في حق ذلك الحكم آكد، فيكون لا محالة مقدما على ما يكون أعم منه" [5] ."
والمصالح بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد له الشارع بالاعتبار.
وتسمى بالمصالح الشرعية، وهي «حجة ويرجع حاصلها إلى القياس، وهو اقتباس الحكم من معقول النص والإجماع ( ... ) ومثاله حكمنا أن كل ما أسكر من مشروب
(1) الموافقات: 2/ 9.
(2) من كلام للدكتور أحمد الريسوني في محاضرة ألقاها بمدينة فاس تحت عنوان"أثر الأخلاق في التنمية البشرية"يوم الأحد 11 دجنبر 2005، بالمركب الثقافي"الحرية".
(3) *) غرابة منه -رحمه الله- أن يذكر أن الإنفاق على الأقارب المملقين هو من التحسينيات، مع أن هذا تشتد الحاجة إليه، وقد يصل إلى مرتبة الضروريات إذا كان عدم الإنفاق عليهم يؤدي إلى هلاك أنفسهم.
(4) نشر البنود على مراقي السعود: 2/ 115 - 114.
(5) المحصول في علم الأصول: 2/ 324.