المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأكد العز - رحمه الله- أن «مصالح الدارين ومفاسدها في رتب متفاوتة» فأعلى المصالح هي «العرفان والإيمان وطاعة الرحمن» وأقبح المفاسد هي «الجهل بالديان والكفر والفسوق والعصيان» لذلك سعد من سعى إلى تقديم مصالح الدار الآخرة الباقية على مصالح الدنيا الفانية، فهذا دأب الأولياء والأصفياء. [1]
وقد تابعه في ذلك قرينه في العلم وصنوه في العمل، العالم العامل المجدد"الإمام الشاطبي"إذ أكد أن المصالح هي ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه، ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية، على الإطلاق، حتى يكون منعما على الإطلاق.
إلا أنه أكد أن إدراك هذه المصالح في هذه الدار بعيد لا ينال، لذا فرق في المصالح «من حيث اعتبار هي موجودة هنا، ومن حيث اعتبار الشارع لها» أما الأول، فكما قال: أنه غير مدرك؛ «لأن المصالح في هذه الدار مشوبة بتكاليف ومشاق، قلت أو كثرت، تقترن بها أو تسبقها أو تلحقها» أما جهة اعتبار الشارع لها فإنه - وحتى لا يكلف الناس بما لا يطيقون- اعتبر ما رجح منها «فالمصلحة إن كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، لجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتم وأقرب وأولى بنيل المقصود على مقتضى العادات الجارية في الدنيا، فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعة ذلك الفعل وطلبه» . [2]
وجماع القول من هذه التعاريف: أن المصلحة الشرعية هي المصلحة التي تعود بالنفع على الإنسان في جسمه وروحه، وحاضره ومستقبله، وفرده وجماعته، وقومه وإنسانيته، ودنياه وآخرته. أو كما قال الدكتور يوسف القرضاوي: «هي المصلحة التي تسع الدنيا والآخرة، وتشمل المادة والروح، وتوازن بين الفرد والمجتمع، وبين الطبقة والأمة، وبين المصلحة القومية الخاصة والمصلحة الإنسانية العامة، وبين مصلحة الجيل الحاضر والأجيال المستقبلة» [3] .
وكما قررت القاعدة الحديثية الجامعة:"فأعط كل ذي حق حقه". [4]
ذكر ابن كثير في كتابه"البداية والنهاية"أن رُستم قائد جيش الفرس في معركة القادسية؛ سأل ربعي ابن عامر عن المسلمين، فقال ربعي رضي الله عنه: «الله ابتعتنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» [5] إن هذه الكلمات على وجازتها، تعبِّر عن جوهر شريعة الإسلام، هذه الشريعة التي جعلت عنوانها:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ". [6]
وجعلت سماتها ما وصف به القرآنُ المبعوث بها أنه:"يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ". [7] أما كتابها (ف) "يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ". [8] ..."وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ." [9]
«إنها المنهج الذي يسعد البشرية كلها ويقودها إلى الكمال المقدر لها» [10] . وبعبارة أخرى؛ فهو المنهج الذي يقودها إلى مصلحتها في الدنيا والآخرة.
وقد سبق الذكر أن هذه المصلحة التي يقصدها الشارع هي المنفعة العامة الشاملة للدنيا والآخرة، للفرد والمجتمع، للقوم والأمة، وللحاضر والمستقبل. وما أحسنه من
(1) أنظر كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام. 1/ 11 - 12.
(2) انظر الموافقات: 2/ 20 - 21 - 22.
(3) مدخل إلى دراسة الشريعة الإسلامية: ص 58.
(4) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع حديث رقم: 1968. ج 1/ 428
(5) البداية والنهاية: 7/ 38، أحداث سنة 14 هـ في معركة القادسية.
(6) سورة الأنبياء، الآية: 107
(7) سورة الأعراف، الآية: 156.
(8) سورة الإسراء، الآية: 9.
(9) سورة يونس، الآية: 57
(10) سيد قطب، في ظلال القرآن: 4/ 2401