فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 87

المبحث الأول:

الضابط الأول: ألا تخالف المصلحة المرسلة نصا.

المطلب الأول: مكانة القرآن والسنة في التشريع والتحذير من مخالفتهما.

القرآن الكريم: «كلام الله الذين نزل به الروح الأمين على قلب رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بألفاظه العربية ومعانيه الحقة، ليكون حجة على أنه رسول الله، ودستورا للناس، يهتدون بهداه، وقربة يتعبدون بتلاوته، وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة، جيلا عن جيل، محفوظا من أي تغيير أو تبديل، مصداقا لقوله عز وجل فيه:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ." [1] » [2] .

أما السنة: فهي كل ما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.

ولا شك أن القرآن والسنة هما حجة على كل مسلم، فلقد أنزله الله عز وجل القرآن ليكون حاكما على البشر، وليكون معجزته المستمرة على تعاقب الأزمان، يتحدى به الإنس والجان، ويسَّره للذكر لكل الأنام، وحواه بعبر الأولين والآخرين، وقصص الأنبياء والصالحين، فهو كما وصفه خير مَرْسول به: عاصم الناس من الفتن لأن فيه «فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا"إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا"من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم» . [3] .

يقول الإمام الشاطبي: «إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنه معلوم من دين الأمة، وإذا كان كذلك لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة، وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها، أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرا وعملا، لا اقتصارا على أحدهما، فيوشك أن يفوز بالبغية، وأن يظفر بالطلبة، ويجد نفسه من السابقين وفي الرعيل الأول، فإن كان قادرا على ذلك، ولا يقدر عليه إلا من زاول ما يعينه على ذلك من السنة المبينة للكتاب، وإلا فكلام الأئمة السابقين والسلف المتقدمين آخذ بيده في هذا المقصد الشريف والمرتبة المنيفة» . [4]

ثم أردف الله عز وجل كتابه برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ليبين للناس ما نُزل إليهم، وأوحى إليه سنة هادية من تمسك بها كان على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.

ولما كان هذا هو حال الكتاب والسنة، فقد أمر الله تعالى باتباعهما فقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" [5] وأمر نبيه - ومن بعده أمته- تحكيم ما أنزل إليه من الكتاب والسنة فقال:"وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ". [6] وجعل جزاء

(1) سورة الحجر: الآية 9.

(2) عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه: ص 21.

(3) رواه الترمذي، باب ما جاء في فضل القرآن حديث رقم 2906. جزء 5/ 172.

(4) الموافقات: 3/ 293.

(5) سورة النساء، الآية: 59.

(6) سورة المائدة، الآية: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت