الفصل الأول:
دراسة نظرية للمصلحة في الإسلام.
المبحث الأول:
المصلحة في الشريعة الإسلامية: حقيقتها وأقسامها.
لقد خلق الله تعالى الإنسان وأنزله إلى الأرض وجعله خليفته فيها، وأمره بإعمارها، ولتحقيق هذه الغاية فقد فطره على حب النفع ودفع الضر عن نفسه حتى يبقي عليها، لكنه لو تركه لهلك هذا الإنسان وأهلك غيره، لأنه سيسعى إلى كل مصلحة تخدمه وسيدفع كل مفسدة تضره، ولو كان في ذلك هلاك العالم، بل لربما سعى إلى ما توهمه مصلحة فإذا فيه هلاكه"يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [1] . يقول الإمام الشاطبي: «المصالح التي تقوم بها أحوال العبد لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها، وليس للعبد بها علم إلا من بعض الوجوه والذي يخفى عليه منها أكثر من الذي يبدو له، فقد يكون ساعيا في مصلحة نفسه من وجه لا يوصله إليها، أو يوصله إليها عاجلا لا آجلا، أو يوصله إليها ناقصة لا كاملة، أو يكون فيها مفسدة تربي في الموازنة على المصلحة، فلا يقوم خيرها بشرها، وكم من مدبر أمرًا لا يتم له على كماله أصلا، ولا يجني منه ثمرة أصلا وهو معلوم مشاهد بين العقلاء» [2] .
لذا أرسل الله - سبحانه وتعالى - له الرسل وأنزل عليه الكتب حتى يهتدي إلى سواء السبيل ويعرف طريق الخير والصلاح فيأتيه، وطريق الشر والفساد فيجتنبه، ثم ختم سبحانه وتعالى رسالاته بشريعة الإسلام التي أوضحت بالقول الفصل والبلاغ المبين أنها جاءت رحمة للعالمين، وهداية للناس إلى الطريق المستقيم، وأنها جاءت لتُحقق مصالح العباد في العاجل والآجل.
(1) سورة النور، الآية:39.
(2) الموافقات:1/ 286 - 287