عسى بهذه الجهود أن تحفظ لنا هذه الأرض، وأن نتركها صالحة للأجيال القادمة، كما تركها لنا آباؤنا كذلك.
وهذه القوانين جديدة، إلا أنها داخلة في مبدإ المصلحة المرسلة، وهي قوانين تخول للإنسان التمتع بما وهبه الله عز وجل من عقل وفكر، وجني ثمار جهده في التفكير والاختراع، لذا وجب احترامها وعدم تجاوزها.
هذه بعض الأمثلة التطبيقية للمصلحة المرسلة في مجال السياسة الشرعية وتشريع الأحكام والقوانين، ذكرتها على سبيل المثال لا الحصر، لأن المستجدات في هذا المجال كثيرة جدا.
وبعد هذا ننطلق إلى بعض تطبيقات المصلحة المرسلة في مجال الاقتصاد ... الإسلامي.
وذلك في المبحث التالي.
إن شاء الله تعالى
المبحث الثاني:
تطبيقات المصلحة المرسلة في مجال الاقتصاد الإسلامي.
المطلب الأول: خصائص الاقتصاد الإسلامي وضوابطه.
من الأمور التي يجب أن تكون مسلمة عند كل مسلم، أن الاقتصاد أو سياسة المال جزء لا يتجزأ من عقيدة الإسلام، فهو من الضروريات الخمس التي جاء الإسلام لتحقيقها والمحافظة عليها.
وقد تحدث القرآن الكريم في آيات عديدة عن المال، مبينا أنه خلق من خلق الله حببه إلى الناس:"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ." [1] .
ثم أمرهم بموجب استخلافه لهم، وابتلائه إياهم أن يعبدوه بهذا المال؛ وذلك بالإنفاق منه في سبيله وحسن سياسته:"آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ" [2] "وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ" [3] .
وحذر عز وجل من الركون إلى هذا المال والطغيان به: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى [4] . وأعطانا نماذج ممن أفسدهم الثراء والاغترار بالمال، ففرحوا بالمال وبطروا حتى أنساهم المنعم:"إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [5] ، ولكن ماذا كانت النتيجة؛"قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ"
(1) سورة آل عمران، الآية: 14.
(2) سورة الحديد، الآية: 7.
(3) سورة الحديد، الآية: 10
(4) العلق، الآية: 6 - 7.
(5) القصص، الآيات: 76 - 77.