يبدأ العدل كما يبدأ التناسق بين الغُنم والغرم في هذا التوزيع الحكيم، ويبدوا كل كلام في هذا التوزيع جهالة من ناحية، وسوء أدب مع الله من ناحية أخرى، وزعزعة للنظام الاجتماعي والأسري لا تستقيم معها الحياة» [1] . تلك إذا قسمة عادلة وليست قسمة ضيزى.
ولست أبغي من هذا الكلام الحديث عن مقاصد الحجاب ولا عن مقاصد الإرث ولاعن مقاصد أخرى في قضية المرأة، بل القصد هو بيان الحق، وبيان أن التشريع الإلهي هو المصلحة المطلقة، فهو أحكم الحاكمين، وما خالف حكمه فهو المفسدة ولو ظنوها مصلحة، فلا يغير ظنهم من الحقيقة شيئا.
ولننتقل إلى القضية الثانية وهي:
ونأخذ فيها نموذجا واحدا وهو"قضية الربا".
فقد زعم الزاعمون «أن الاقتصاد هو عصب الحياة، والبنوك عصب الاقتصاد، والفوائد الربوية عصب البنوك، وهذا يوجب علينا تسويغ الفوائد الربوية بطريقة أو بأخرى» [2] .
ومما لاشك فيه أن الإسلام حرم الربا، بل جعله من الكبائر الموبقات، بل لم يبلغ من تفظيع شيء أراد تحريمه من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا، ولا بلغ من التهديد في شيء ما بلغه في الربا، وأي تفظيع أكبر من أن يجعل آكل الربا كالذي يتخبطه الشيطان من المس، وأي تهديد أكبر من أن يعلن الله سبحانه وتعالى الحرب على آكل الربا. وإنا لنرى صورة ذلك في زماننا جلية واضحة، فرأينا الرجل يدور كما يدور الحمار في الرحى، ويتخبط كما لو أصابه مس من الشيطان من ثقل ما يرزأ تحته من الربا، ورأينا ما يحدث من القلاقل والفتن في العالم بسبب الربا، حتى أصبحت ثروات العالم كله متجمعة في يد شرذمة من الناس، فازداد الفقراء فقرا، وازداد الأغنياء غنا، فأي أحمق بعد ذلك يتحدث عن الربا بخير؟! ولو نظروا إلى من نَظّروا للربا في أول الأمر، لوجوا كثيرا منهم الآن ينظِّرون لمحاربتها، بل وخرجوا إلى تطبيق ذلك على
(1) سيد قطب، في ظلال القرآن: 1/ 591.
(2) يوسف القرضاوي، في معرض رده على من ادعى أن الربا فيه مصلحة، كتاب الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: ص 159.