فهذا الفقيه نظر إلى مصلح الزجر لكنه أغفل مصلحة أهم منها وهي مصلحة الرقاب التي تتحرر وتخرج من الرق؛ وهذا باطل.
القسم الثالث: ما لم يشهد له الشارع بالاعتبار ولا بالبطلان.
وهذا القسم يسمى في اصطلاح الأصوليين ب"المصالح المرسلة" [1] ويعرفونها بأنها المصلحة التي أرسلها الشارع فلم يشهد لها بالاعتبار ولابالبطلان، فلا دليل خاص عليها لكن عمومات الشريعة تشهد لها.
هذه بعض أقسام المصلحة في الشريعة الإسلامية، أردنا إيضاحها وتبيينها حتى يكون المسلمون على بينة منها لأن معرفتها تجعلهم بكل أصنافهم -مجتهديهم وعوامهم- يسيرون على بينة من أمرهم فلا يقدمون ما حقه التأخير ولا يؤخرون ما حقه التقديم، وبذلك تستقيم أمورهم وتنتظم أحوالهم.
المبحث الثاني:
المصلحة المرسلة: مفهومها وأهميتها.
مما لا شك فيه أن الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، إلا أن مصالح العباد كثيرة ومتجددة، وجزئياتها لا تنحصر بحال، أما أحكام الشريعة فهي منحصرة في نصوص معدودة، لذا كان لابد من وسيلة تجعل الشريعة حاكمة على كل جزئيات المصالح في كل زمان ومكان، فكانت الوسيلة هي القياس: وهو إلحاق نازلة لا نص على حكمها بنازلة ورد نص بحكمها لاشتراك النازلتين في علة الحكم. والعلة هي الوصف الظاهر المنضبط المؤثر في الحكم وجودا وعدما.
إلا أن القياس نفسه - بهذا المعنى- لا ينهض أن يكون حاكما على كل الجزئيات، وذلك لأنه ليس كل نازلة تقع نجد نظريها الذي اشتركت معه في علة الحكم منصوصا عليه حتى نقيسها عليه. ولتجاوز ذلك كان لابد من وسيلة أخرى تنهض بهذا الأمر. فكانت هي"المصالح المرسلة".
(1) *) سيأتي تفصيلها - إن شاء الله تعالى.