فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 87

تعالى. وهكذا فأي عمل خرج عن هذا الأصل فهو مردود على صاحبه، فلا ينجوا إلا من عمل وأخلص، عمل صالحا وأخلص لله واتبع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما خرج عن هذا كان وزرا على صاحبه.

المطلب الثاني: المصالح المرسلة منضبطة بعدم مخالفة النصوص.

ومقصودنا بالنصوص؛ نصوص الكتاب والسنة، لأنهما المُحدد الأول للمصالح، فالله عز زجل هو الذي خلق عباده وهو أعلم بما يصلحهم من أنفسهم، ولذا «فما نصت عليه الشريعة من أحكام الحلال والحرام والفرائض والحدود، هو المصلحة التي لا ينازع فيها مسلم، وإن خفي عليه وجهها» [1] .

فالشريعة الإسلامية لم تغفل أي نوع من المصالح دقها وجلها إلا بينته ونبهت عليه وأمرت به، ولم تغفل أي نوع من المفاسد دقها وجلها إلا بينته ونبهت عنه. [2]

من أجل ذلك كان على المكلف أن يطلب مصالحه من أوامر الشرع، وإن خفي عليه وجهها، فهو بذاته قاصر عن إدراك كل مصالح ذاته لأنه «باندفاعه وقصر نظره، قد يحرص على مصلحة وفيها مفاسد، أو فيها تفويت مصالح أهم منها، وقد يفر من مفسدة قريبة فيقع فيما هو شر منها، وقد يطلب الراحة العاجلة، فيجلب على نفسه - أو على غيره- عناء طويلا» [3] «لذا جاء الشرع بوضع حدود وقيود على تحصيل مختلف المصالح والاستمتاع بها» [4] . وأيُّما مصلحة خرجت عن هذه الحدود والقيود، واعتمد أصحابها على الرأي العقلي، مجردا عن كل أوامر الشرع ومقاصده، فهي تسمى"هوى"وإن زعم أنها مصلحة، وهي مردودة على صاحبها.

لذا حذر الإسلام من اتباع"الهوى"لأنه مضل عن سبيل الله مبعد عن الحق:"وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ" [5] وجعل مقصده هو «إخراج المكلف عن

(1) الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: ص 158 (بتصرف) .

(2) هذا القول منا لا ينقض ما قلناه سابقا من أن المصلحة المرسلة هي التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء مع أن المكلف ملزم بالعمل بها، فالشريعة بينت جميع المصالح والمفاسد إما بآحاد أدلتها أو بعموم مقاصدها، وما وصلنا إليه من نتيجة مُعتمدين على المصالح المرسلة إن كانت بضوابطها، هو داخل في هذا التبيين من الشريعة.

(3) الدكتور أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: ص 236.

(4) نفسه ونفس الصفحة.

(5) سورة ص: الآية: 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت