ولعل هذا بعض أو جزء من حق أريد به باطل، إذ أنه ثابت في الفقه وأقوال العلماء أن الأحكام تتغير بتغير الأزمان والحالات، حتى أن الإمام ابن القيم استهل الجزء الثالث من كتابه"إعلام الموقعين"بفصل سماه:"تغير الفتوى واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة، والأحوال والنيات والعوائد". إلا أنه لم يثبت عن الصحابة الأبرار ولا عن الأئمة الأطهار، أنهم قصدوا بذلك الأحكام القطعية والنصوص المحكمة.
لم نسمع ذلك إلا من هؤلاء القوم الذين هم ليسوا من أهل الاجتهاد ولا التخصص، بل هم سفهاء قوم تطاولوا وضخمهم الإعلام، حتى حسبهم الناس شيئا، فصُدِّقوهم على كذبهم، وائتُمنوهم على خيانتهم، وإني لأحسب أن هذه هي السنون التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيأتي على الناس سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة.» قيل يا رسول الله ومن الرويبضة؟ «قال: السفيه يتكلم في أمر الناس» [1] .
أما القضايا التي طرحوا فيها ذلك الزعم فهي كثيرة ومتنوعة، نقتصر منها على قضيتين اثنتين، أولاهما قضية المرأة ونأخذ فيها مثالين اثنين هما"الحجاب"و"الإرث". أما القضية الثانية في الاقتصاد ونأخذ فيها مثال واحدا هو"الربا". ولنبدأ بأول القضيتين وأكثرهما طرحا في هذا الزمان وهي قضية المرأة:
ولعلي أتساءل البداية: هل للمرأة قضية منفصلة عن أمتها في عالمنا الإسلامي؟!.
إن ما أعرفه أن قضية المرأة بهذه الصورة التي يحاولون طرحها بها، ظهرت في أوروبا في وقت كان يمارَس على المرأة الظلم بشتى أنواعه وتلاوينه، بدعوات متعددة، إما بدعوة الجنس، أو العمل ...
ولكن في عالمنا الإسلامي، ما علاقتنا بذلك؟!.
أنا لا أنكر الظلم الذي كان يمارس على المرأة في عالمنا الإسلامي، بسبب الجهل وبسبب الابتعاد عن منهج الإسلام الذي شرعه.
ولكن ما علاقة الإسلام بهذا الظلم؟ أهو من ظلم المرأة؟ أم غير ذلك؟ ولماذا يلصق كل نقص وظلم نال المرأة بالإسلام؟ ربما أسئلة تحتاج إلى أسئلة تحتاج إلى أجوبة، وأجوبتها تطول، وربما تحتج إلى سبر الأغوار ونبش النيات، والنيات في الصدور لا يعلمها إلا الله، فلنأخذ الأمر على ظاهره إذا!!!
لن أتحدث عن تكريم الإسلام للمرأة، ولا عن مكانتها، فهذا حديث طال به الكلام، وسال فيه المداد، وامتلأت به القراطيس.
بل سأقتصر على أنموذجين من النماذج ومثالين من الأمثلة التي خاضوا فيها، لنرى هل الإسلام ظلم المرأة فيهما؟ أم أن فيهما المصلحة الحقيقة للمرأة؟ وهما"الحجاب"و"الإرث".
فالمعروف أن الحجاب فرض على كل مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر، نزل الأمر به وحيا من السماء، فتلقه نساء الرعيل الأول أحسن لقيا، حتى إن إحداهن كانت تشق من جلبابها أو إزارها لتخْتمر به، فما أمسى المساء إلا وليس فيهن غير محجبة.
ولكننا بدأنا نسمع في هذا العصر أناسا ينادون - بدعوى عصر المساواة والحرية والمصلحة ... بأن الحجاب ضد مصلحة المرأة لأنه يقيد من حريتها، وأن الحجاب ليس فرضا على كل النساء المسلمات، بل هو فرض على كل أمهات المؤمنين، بل أكثر من ذلك ينادون بفتح العلاقات بين الجنسين بلا حجاب ولا ضابط، لأن هذا يخفف من ثورة الشباب الجنسية، لأنهم يتطبعون معها فلا تصير تشكل لهم هما كبيرا، وهكذا ... ؟!!!
لا حول ولا قوة إلا بالله، هل أصبحت الحرية بوقا ينفخ فيه كل إمَّعة يتجرأ على المقدسات وعلى أحكام الشريعة؟ أعمي هؤلاء عن كل هذه الأدلة البينة والآيات القاطعة أم تعاموا عنها؟ [2] وكيف يجرؤون أن يقولوا إن الحجاب هو فرض على أمهات المؤمنين فقط؟ من الأولى بالحجاب؟ هل هن أمهات المؤمنين؟ اللائي تربَّيْن في حجر النبي صلى الله عليه وسلم أطهر الخلق وأصفاهم، أم هن نساء المسلمين؟ «إن الحجاب هو صيانة للمجتمع كله من الفتنة، وإبقاء للاستقرار والأمن للمرأة، حتى لا يخرج زوجها
(1) رواه الحاكم، حديث 8439. ج 4/ 512.
(2) آيات وجوب الحجاب على المرأة كثيرة، ومن أراد فليرجع إلى سورة النور وسورة الأحزاب ليطلع عليها، والآيات هي (30 - 31 - 60 - من سورة النور) و (53 - 55 - 59.من سورة الأحزاب) .