من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس، وحينئذ توصم الشريعة بالجمود وعدم مسايرة الأزمان والبيئات، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان، وعن الجمود براء» [1] .
ولأهميتها هذه؛ وجب على الفقهاء، العمل بها، لأنها حجة، وإن لم يشهد لها نص معين، فهي ملائمة لتصرفات الشارع وموافقة لعموم أدلته، ومن هنا تأتي حجيتها؛ يقول الإمام الشاطبي: «كل أصل لم يشهد له نص معين، وكان ملائما لتصرفات الشرع، ومأخوذ معناه من أدلته؛ فهو صحيح يبنى عليه، ويرجع إليه، إذا كان ذلك الأصل بمجموع أدلته مقطوعا به، لأن الأدلة لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها ( ... ) لأن ذلك كالمتعذر، ويدخل تحت هذا ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك والشافعي. فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل فقد شهد له أصل كلي» [2] .
ولا يقولن أحد لا أفتي حتى أجد النص أو ما يوافقه في علة الحكم لأحكم به أو أقيس عليه، محتجا بأن الاستدلال بالأصل الأعم على الفرع الأخص غير صحيح، لأنه وإن علم اعتبار الشرع للأصل الأعم أو كلي المصلحة، فمن أين يعلم اعتباره لكل جزئية متنازع فيها.
وهذا غير صحيح لأن «الأصل الكلي إذا انتظم في الاستقراء يكون كليا جاريا مجرى العموم في الأفراد ( ... ) (و) كونه يجري مجرى العموم في الأفراد، فلأنه في قوة اقتضاء وقوعه في جميع الأفراد، ومن هنا استنبط. لأنه إنما استنبط من أدلة الأمر والنهي الواقعين على جميع المكلفين، فهو كلي في تعلقه، فيكون عاما في الأمر والنهي للجميع» [3] .
لذا عمل الصحابة -رضي الله عنهم، وهم أبر هذه الأمة قلوبا، وأصدقها قولا، وأحسنها حالا، وأقومها هديا- عملوا بها في كثير من فتاويهم وأحكامهم؛ ومن تتبع سيرتهم وجد عشرات الأمثلة على ذلك، منها:
1)جمع المصحف -على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه-: فقد روى البخاري - رحمه الله تعالى- عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر الصديق رضي الله
(1) نفسه: ص 331.
(2) الموافقات: 1/ 29.
(3) نفسه: 1/ 30.