أن المماثلة لو روعيت ههنا لأفضى الأمر إلى سفك الدماء المفضي إلى الفناء، إذ الغالب وقوع القتل بصفة الشركة، فإن الواحد يقاوم الواحد غالبا، فعند ذلك يصير الحيف في هذا القتل عدلا عند ملاحظة العدل المتوقع منه، والعدل فيه جور عند النظر إلى الجور المتوقع منه، فقلنا بوجوب القتل دفعا لأعظم الظلمين بأيسرهما. وهذه مصلحة لم يشهد لها أصل معين في الشرع ولا دل عليها نص كتاب ولا سنة، بل هي مستندة إلى كلي الشرع، وهو حفظ قانونه في حقن الدماء مبالغة في حسم مواد القتل واستبقاء جنس الإنسان». [1] - [2] .
يقول الدكتور أحمد الزرقا: «وفقهاء الحنفية لم يبحثوا في المصالح المرسلة بحثا موضوعيا يبينون فيه منهجهم وشرائطهم في رعايتها، كما فعل فقهاء المذهب المالكي، ولكن الحنفية فرعوا كثيرا وأفتوا كثيرا فتاوى استحسان الضرورة الذي يقوم عندهم على أساس رعاية المصالح الحقة، ودفع الحرج، والسياسة الشرعية، وهو النوع الذي تندرج فيه المصالح المرسلة في تعبير غيرهم.
فقد أفتوا بعدم بينونة المرأة التي ترتد بقصد البينونة من زوجها، كما أفتوا بميراث الزوجة التي يطلقها زوجها بائنا في عرض موته للفرار من إرثها إذا مات وهي في العدة، وأفتوا بتمديد إجارة الأرض المستأجرة للزرع إذا انقضت مدة الإجارة قبل استحصاده، منعا للضرر عن المستأجر بقلع الزرع، وأفتوا كالمالكية بتضمين الصناع ( ... ) إلى غير ذلك من الأحكام الكثيرة التي بنيت على المصلحة وحدها دون نص» [3] .
«والخلاصة أن جل أقيسة الحنفية - كبقية الفقهاء- لا يكمن إرجاعها إلى علل مؤثرة نص عليها الشارع، أو أجمع عليها المجتهدون، بل معظمها علل أخذت بالاستنباط، واعتمد فيها المجتهدون على المناسبة. وبهذا لا يستقيم قول الأصوليين أن الأحناف لا يأخذون بالمناسبة، وإنما يشترطون التأثير بالمعنى الذي ذكروه» [4] .
رابعا: الفقه الحنبلي:
نقل الدكتور حسين حامد حسان عن الإمام ابن القيم في كتابيه:"الطرق الحكمية"و"إعلام الموقعين"وعن ابن رجب الحنبلي في كتابه"القواعد"مجموعة من الأمثلة حول العمل الحنابلة بالمصلحة المرسلة منها:
1.إفتاؤه بجواز التصرف في مال الغير أو حقه إذا دعت الحاجة إلى ذلك وتعذر استئذانه.
وهذا أصل شرعي لم يشهد له نص معين ولكنه ملائم لتصرفات الشرع ومأخوذ معناه من أدلته وعلى هذا فهو صحيح يبنى عليه ويرجع إليه ويجرى في قوة الاستدلال به مجرى العام المستفاد من الصيغة فهو يطبق على كل واقعة يتحقق فيها مناطه دون الحاجة على دليل خاص من أو قياس.
2.تجويزهم للحاكم إذا احتاجت الأمة لصناعات معينة ولم يكن من يقوم بها، أن يلزم بذلك طائفة من المسلمين بأجرة مثلهم. يقول ابن القيم: «فالمقصود أن الناس إذا احتاجوا على أرباب الصناعات كالفلاحين أو غيرهم، أجبروا على ذلك بأجرة المثل» [5] .
3.جواز التسعير إذا تعدى التجار ثمن المثل واستغلوا حاجة الناس إلى ما بأيديهم من السلع.
ثم علق الدكتور على هذه الأمثلة فقال: «والخلاصة: أن الحنابلة يأخذون بالمصلحة المرسلة فيما لا يمكن معرفة حكمه من النص لفظا، أو من معقول النص بطريق القياس الذي يشارك فيه الفرع الأصل في عين العلة وينقل إليه منه عين الحكم» [6] .
(1) تخريج الفروع على الأصول: 1/ 321 - 322.
(2) ولمن أراد التوسع أكثر في قضية المصالح عند الشافعية فليرجع إلى كتاب نظرية المصلحة، للدكتور حسين حامد حسان: ص 310 وما بعدها
(3) الاستصلاح والمصالح المرسلة: ص 61 - 62.
(4) الدكتور حسين حامد حسان، نظرية المصلحة، في الفقه الإسلامي: ص 606.
(5) الطرق الحكمية: ص 1/ 367.
(6) نظرية المصلحة، في الفقه الإسلامي: ص 480 وما بعدها.