فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 87

أما الآن فالأمر مختلف، فلا يمكن للحاكم أو القاضي أو حتى قاضي القضاة أن يقوم بكل السلطات؛ التشريعية والقضائية والتنفيذية، مما حتم استحداث طرق جديدة لتحقيق العدل بناء على قاعدة المصالح المرسلة، ومن بين ما استحدث:

أولا: مبدأ فصل السلط؛ بحيث أصبحت هناك سلطة تشريعية: وتتولى سن القوانين، وسلطة قضائية: وتقوم بالفصل بين النزاعات والدعاوى، وسلطة تنفيذية: وتسهر على تنفيذ القوانين التي ترتكز عليها تنظيم الدولة.

ثانيا: استحداث مؤسسة للقضاء؛ حيث لم يعد القاضي لوحده يحكم ويفصل في النزاعات، وإنما أصبحت هناك لجنة تسهر على ذلك، وأيضا قسمت المحاكم لتسهيل عملية القضاء، فهناك محكمة الجنايات: وتتولى قضايا الجرائم، والمحكمة التجارية: وتتولى الخصومات المالية، وهناك محاكم الجماعات والمقاطعات: وتتولى النظر في الدعاوى التي لا تتجاوز قيمتها ألف درهم، وأيضا هناك قضاء الأحداث: وينظر في قضايا الأحداث (دون سن الرشد القانوني 18 سنة) وفي كل من هذه توجد المحاكم الابتدائية: ودورها النظر في الدعاوى المقدمة إليها بصفة ابتدائية، مع حفظ حق الاستئناف. ومحكمة الاستئناف: وهي موضوعة للبث في القضايا الجنائية، والنظر في القضايا التي تم استئنافها ...

ومن التطبيقات المعاصرة للمصلحة المرسلة في هذا المجال؛ جعل القضاة والأمراء والحكام على صورة معينة من الفخامة والتجمل - بما لا يخرج عن حد الشرع ويدخل في الكبر والخيلاء- لأن هذا أدعى لتوقيرهم واحترامهم، وتنفيذ أحكامهم، لأن فساد الذمم والأحوال جعل ملأ الناس عند الناس؛ من كان على صورة معينة من الفخامة. وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - في فتوح الشام يلبسون أحسن الثياب، لأن هذا كان أهيب في نفوس الناس وأدعى لاحترامهم للمسلمين، والدخول في دين الإسلام.

ثانيا: تشريع الأحكام والقوانين.

ومن القوانين والتشريعات التي استحدثت في عصرنا الحالي:

قال عز وجل:"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا، لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا" [1]

لقد بسط الله تعالى الأرض للعباد وجعل فيها طرقا وسبلا، وهدى الإنسان لبناء طرق أخرى يتنقل فيها أنَّى يشاء. ثم جعل هذه الطرق ملكا عاما للناس ينتفعون بها.

ولتنظيم هذه الطرق فقد جعل الإسلام لها آدابا وأخلاقا وجب على كل مسلم الاتزام بها، حتى يسود الأمن والنظام في الطرقات، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات» فقالوا: مالنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. «قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها» قالوا وما حق الطريق؟ «قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر» [2] .

ومن الآداب التي حث عليها الإسلام أيضا في الطريق: تجنب الكبر، والإعراض عن اللغو، والتبسم في وجوه الناس، وإرشاد الرجل في أرض الضلال، وإعانة الكفيف وذا الحاجة، وإماطة الأذى ...

إلا أنه في هذا العصر، وبعد دخول هذه العربات القوية والسريعة والكبيرة على الطريق، وبعد هذه الحوادث والفواجع التي أصبحت تسببها، لم تعد هذه الآداب والأخلاق تكفي، مما أوجب استحداث قوانين جديدة تنظم مسيرة هذه العربات.

وقبل الحديث عن هذه القوانين، ونظرة الإسلام إليها، نذكر بعض الإحصائيات حول حوادث السير في العالم العربي، ونخص منه المغرب.

فقد توقعت دراسة مشتركة للبنك الدولي والمنظمة الصحة العالمية وصول عدد ضحايا حوادث السير في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إلى ثلاث وسبعين ألف شخص بحلول عام ألفين وعشرة ...

(1) سورة نوح، الآية: 19 - 20.

(2) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب أفنية الدور والجلوس على الصُّعدات: ح 2465 - 1/ 539.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت