إنه المنهج الرباني الذي شاءه الله بمشيئته وأراده برحمته، وهو الرحمن الرحيم، فكيف يجرؤ أحد بعد ذلك أن يقول إن الله تعالى قد كلفنا بما لا نطيق؟ وإن النفس لتذوب حبا في الله تعالى وشوقا إليه وحياء منه عندما تقرأ قوله عز وجل: - وهو اللطيف المتكبر المتعال- وهو يقول:"يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا". [1]
فإن عمل العباد بهذا المنهج حُفظ عليهم نظامهم وأصلحت أحوالهم وأعمرت أرضهم بكل خير. يقول الإمام الطاهر بن عاشور:"إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقراة؛ أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحها بصلاح المهيمن عليه وهو الإنسان، ويشمل صلاحه، صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه" [2] . ويقول العلامة علال الفاسي:"والمقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها، واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض لخيراتها وتدبير لمنافع الجميع" [3] .
تنقسم المصلحة في الشريعة الإسلامية إلى عدة أقسام بعدة اعتبارات؛ فهي تنقسم باعتبار قوتها، وباعتبار الشارع لها، وباعتبار خصوصها وعمومها ...
وحتى لا يطول كلامنا فإننا سنقتصر في حديثنا عن أقام المصلحة، على القسمين الأوليين، أي تقسيمها باعتبار قوتها وباعتبار الشارع لها.
(1) سورة النساء، الآيات:26 - 28.
(2) مقاصد الشريعة الإسلامية: ص- 60.
(3) مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: ص- 45 - 46.