داعية هواه حتى يكون عبد الله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا» [1] ومنتهى هذه العبودية هو الامتثال لأوامره والخضوع لحكمه، أما التطاول على النصوص والتجرؤ عليها بدعوى المصلحة، هو شيء مرفوض.
من أجل ذلك كان لزاما على المصلحة المرسلة ألا تخالف نصوص الشرع، لأن المصلحة المرسلة مردها إلى فهم الفقيه واستنباطه، وأما نصوص الشرع فمردها إلى حكم الله وأمره، يقول الدكتور رمضان البوطي: «المصلحة الثابتة بمحض الرأي: فينبغي أن يُعلم أن ميزان صدق الرأي في هذا هو ألا تخالف كتابا ولا سنة. فإذا تبين مخالفته ( ... ) تبين أنه ليس مصلحة حقيقية، وإنما شبه على صاحبه أنه كذلك» [2] ويقول ابن القيم: «الرأي الباطل أنواع: أحدها الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فسادُه وبطلانُه. ولا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع من تأويل وتقليد» [3] .
وهذا الشرط هو الذي يفرق بين المصلحة المرسلة والمصلحة الملغاة، «والمقصود بمصادمة المصلحة للنص، أن تقتضي المصلحة حكما في الواقعة يخالف الحكم الذي يدل عليه النص فيها» [4] .
وهذا ليس حجرا على العقل ولا تسفيها له، ولا نقصا من قيمته، فما عرف دين ولا عقيدة كرمت العقل ورفعت من شأنه أكثر من دين الإسلام، ويكفينا شاهدا على ذلك، هذه العشرات من الآيات التي تحث العقل وتوقظه للتدبر والتأمل والتعقل، والآيات التي تشنع على الكفار لأن لهم قلوبا لا يفقهون بها، ويكفينا أيضا أن الإسلام جعل العقل هو مناط التكليف. فهو سبحانه أعطى العقل للإنسان حتى يعمله في السعي إلى جلب المصالح ودرء المفاسد، ولو لم تكن له هذه القدرة لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [5] - [6] .
إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل مع العقل الراشد أهواء تضله ونفسا تنازعه، فكان لزاما على العقل أن يهتدي بهُدى الشرع، لأنه مهما بلغت قدرته، لا يؤمن عليه الاختلاط، لأنه «لا يستطيع التجرد عن مؤثرات البيئة، وبواعث الهوى والأغراض والعواطف، ولأنه جاهل بالماضي والحاضر، وأشد جهلا بالمستقبل، وقاصر عن الإحاطة، والقاصر لا يحسن التقدير والتدبير، فلابد له من ولاية أو وصاية، ووليه ووصيه هدى الشرع، وليس له صلاحية الاستقلال بدرك المصالح بعيدا عن الوصاية، وبدون رعاية الشرع» [7] .
فالعقل والنقل متعاضدان في إظهار المصالح، فهما كالشمس للعين والعقل تابع للنقل، فإن تعارضا - ولا يتعارض العقل السليم مع النقل الصحيح- «فلا يمكن إلا تقديم النقل المعصوم على الرأي الذي لا عاصم له» [8] .
وهذا الحديث قد أفاض فيه علم الكلام، فلا نزيد على ما قلنا، لأن الذي يهمنا أن نبين أنه «فوق كل ذي علم عليم» فلا يجوز لأحد رد النص لرأي رآه، أو مصلحة بانت له، لأن المصلحة الحقيقة هي التي في النص، ولو لم تظهر، ويكفينا من ذلك أننا أمة"سمعنا وأطعنا"فما جاء عن الله فهو الأولى والأجدر بالتقديم، ويرحم الله أئمتنا العظام الذين كان أحدهم يقول - على اتساع علمه- إذا جاءكم حديث يخالف قولي فاضربوا بقولي عرض الحائط. أما التنطع والتعالي فهو مهلك لصاحبه. ورحم الله من علم قدر نفسه فوقف عنده.
بقي أن نجيب على سؤال قد يطرحه البعض، وهو: ما هي النصوص من الكتاب والسنة التي يجب ألا تخالفها المصلحة المرسلة؟.
وجوابه أن النص المقصود هو النص: الدال دلالة صريحة على الحكم. يقول الدكتور يوسف القرضاوي: «ولهذا قالوا لا اجتهاد مع النص، يعنون به: النص الثابت
(1) الشاطبي، الموافقات: 2/ 145.
(2) ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: ص 154.
(3) إعلام الموقعين: 1/ 61.
(4) الدكتور حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي: ص 107.
(5) سنن البيهقي الكبرى، كتاب الشهادات، باب مكارم الأخلاق: حديث 20571 - ج 10/ 191.
(6) ووجه الاستدلال بهذا الحديث؛ أن الناس في الفترات (قبل عصر الشرع) أدركوا بعقولهم مجموعة من الأخلاق التي تعارفوا عليها واتفقوا، وقد أقر الشرع هذه الأخلاق وتممها، ولو لم تكن للعقل هذه القدرة لما استطاع أن يدرك هذه الأخلاق ولا أن يعرفها بغير هذي الشرع.
(7) الدكتور يوسف حامد العالم، المقاصد العامة للشريعة الإسلامية: ص 140 - 141.
(8) الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: ص 139.