وأقعد , وهذه الأقوال إنما تفيد الأحكام إذا قصد المتكلم بها حقيقة, أو حكما ما جعلت له, أو إذا لم يقصد بها ما يناقض معناها وهذا فيما بينه وبين الله سبحانه , وأما في الظاهر والأمر محمول على الصحة الذي هو الأصل والغالب وإلا لما تم تصرف. 4
فإن فرض أن المتكلم لم يقصد بها ذلك لم يضر ذلك المستمع شيئا وكان معذورا في حملها على معناها المعروف, وكان المتكلم آثما فيما بينه وبين الله تعالى ,إنما يبطل الشارع معه ما نهاه عنه, فإن كان لاعبًا أبطل لعبه, وجعله جادًا, وإن كان مخادعًا أبطل خداعه , فلم يحصل له موجب ذلك القول عند الله ولا شيء منه كالمنافق الذي قال أشهد أن محمدا رسول الله , وقلبه لا يطابق لسانه [1] ؛ لأن لفظ الإنكاح والتزويج موضوعهما ومفهومهما شرعًا وعرفًا نكاح وانضمام وازدواج موجبه التأبيد إلا لمانع, وحقيقته نكاح مؤبد يقبل الانقطاع أو القطع ليس مفهومهما وموضوعهما نكاحًا يُقصد به رفعه ووصلا المطلوب منه قطعه , وفرق بين اتصال يقبل الانقطاع واتصال يقصد به الانقطاع , وكما أن هذا المعنى ليس هو معنى اللفظ ومفهومه, فلا يجوز أن يراد به أصلا, ولا يجوز أن يكون موضوعًا له حقيقة , ولا مجازًا بخلاف استعماله في المتعة ,فإنه يصح مجازًا ,وذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز أن يكون موضوعًا لإثبات الشيء ونفيه على سبيل الجمع باتفاق العقلاء, وإن كان كثير منهم أو أكثرهم يحيله على سبيل البدل أيضا؛ لأن الجمع بين الإثبات والنفي جمع بين النقيضين , وهو محال واللفظ لا يوضع لإرادة المحال ,والنكاح صلة بين الزوجين يتضمن عشرةً ومودةً ورحمةً وسكنًا وازدواجًا , وهو مثل الأخوة والصحبة والموالاة ونحو ذلك من الصلات التي تقتضي رغبة كل واحد من المتواصلين في الآخر, بل هو من أوكد الصلات؛ فإن صلاح الخلق وبقاءه لا يتم إلا بهذه الصلة , بخلاف تلك الصلات فإنها مكملات للمصالح فإذا كان مقصود الزوج حين عقده فسخه ورفعه صار قوله تزوجت معناه قصدت أن أصل إلى قطع وأوالي لا أعادي وأحب لا أبغض, ومعلوم أن من قصد القطع والمعادات والبغض لم يقصد الوصل والموالاة والمحبة, فلا يكون اللفظ دالا على شيء من معناه إلا على جهة التهكم والتشبه في الصورة , ثم إن الشارع جعل موجب اللفظ هو الوصل
(1) - الفتاوى الكبرى ج 6 ... ص 272.