فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 157

3 -وفي فتوى أخرى قال: ونُحذّر من تريد الزواج من رجل زواجًا عرفيًا غير موثق أن تقع في مثل هذا المأزق, ولهذا ننصحها، -إن تحتم الزواج العرفي -أن تشترط أن تكون عصمتها بيدها على ما رآه الإمام أبو حنيفة، حتى إذا لم توفق في هذا الزواج أمكنها أن تطلق نفسها منه بدون اللجوء إلى القضاء؛ لأنه لا يسمع دعواها، وبدون لجوء إلى لجنة وغيرها. [1]

ولهذا فإن القول بتوثيق عقد الزواج مراعاة للواقع المعاصر, وهو من أحسن السياسة الشرعية التي ألزم بها ولاة الأمور الرعية؛ لما في ذلك من مراعاة المصالح ,والحفاظ على الحقوق ,ودرء المفاسد التي لا حصر لها عند عدم التوثيق.

ووجه القول بمشروعية التوثيق ولزومه ما يلي:

أ اختلاف الحال اليوم عما كان في عهد الرسول - ,فلا جدال أن أحوال الناس تغيرت ,فقد كانوا في عهده - أشد الناس, وأقواهم إيمانًا وحزمًا , أما اليوم فقد ضعف الوازع الديني , وخربت كثير من الذمم مما يخشى معه ضياع الحقوق وإنكارها.

ب أن التوثيق من المبادئ المعمول بها ,والمدلول عليها شرعًا في حالات كثيرة سواء بالإشهاد ,أو الكتابة أو هما معًا, بل إن التوثيق يعد من مقاصد الإشهاد والإعلان المطلوبين في الزوجين بطريق الوجوب, وقد وثق النبي - كثير من معاملاته ومراسلاته, وأمر بالكتابة في الصلح مع المشركين, وهذا يعني أهمية التوثيق مطلقًا. [2]

ت إذا كان توثيق الزواج بالشهادة ثابت بحديث النبي:"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" [3] فإن ذلك لا يمنع التوثيق بالكتابة والشهادة مقابل أن يكون واجب بطريق الأولى , وإذا كانت الكتابة العادية غير الرسمية واجبة ,فتكون الكتابة الرسمية وهي المساه بالكتابة المسجلة (التوثيق) واجبة بطريق الأحرى؛ لأنها أقوم وأضمن لحفظ العقد وحقوقه من الكتابة العادية حيث يمكن أن تتطرق الشبهة والخطأ والتزوير في الكتابة الغير موثقة ,فقد يدّعى كل أحد الزواج بورقة عرفية (غير موثقة) على رجل أو امرأة بقصد النيل منه ,ومن سمعته وشرفه؛ لسهولة إثباتها أو ادعائها ولا يمكن ذلك مع الكتابة الموثقة رسميًا؛ ولهذا فإن القول بوجوب توثيق عقد الزواج من أحسن الفتاوى التي تقوم على فهم الواقع ,والربط بين النصوص التشريعية ,والقواعد الفقهية ,وأحوال الناس المختلفة ,و من أحسن الفقه؛ لحفظ الحقوق والآثار المترتبة على عقد الزواج, فضلًا عن أنها الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى منع انتشار الزواج العرفي ,أو السري الذي انتشر في كثير من الدول ,والمدخل الوحيد للقول بتحريم ذلك النوع من الزواج وتحريمه. [4] لاسيما وأن قوانين الأحوال الشخصية في أكثر الدول الإسلامية الآن لا تستمع لدعوى الزوجية إلا إذا كان العقد موثقًا رسميًا. [5]

يقرر الفقهاء أن من خصائص النكاح أنه عقد لازم من جهة الزوج ,ومن جهة الزوجة، فيلزم عقد الزواج إذا استوفى أركانه ,وشروط صحته , وشروط نفاذه.

وإذا لزم فليس لأحد الزوجين, ولا لغيرهما حق نقض العقد ,ولا فسخه، ولا ينتهي إلا بالطلاق أو الوفاة، وهذا هو الأصل في عقد الزواج؛ لأن المقاصد التي شرع من أجلها - من دوام العشرة الزوجية ,وتربية الأولاد ,والقيام على شئونهم - لا يمكن أن تتحقق إلا مع لزومه.

ولهذا قال العلماء: شروط لزوم الزواج يجمعها شرط واحد: وهو ألا يكون لأحد الزوجين حق فسخ العقد بعد انعقاده ,وصحته ونفاذه، فلو كان لأحد حق فسخه كان عقدًا غير لازم.

وعلى هذا فإن: العقد لا يكون لازمًا فيما إذا تبين أن الرجل غرر بالمرأة, أو أن المرأة غررت بالرجل, [6] فلا يثبت فيه الخيار, ولا يجوز إنهائه بالطلاق، والفسخ إلا بسبب من أسبابه، أما فسخه من غير سبب من أسباب الفسخ فلا يتأتى لا من الرجل ولا من

(1) - فتاوى الأزهر ج 10 ص 54 وبعد نهاية الفتوي نصوا علي أن الإجابة على السؤال تمت بعد بحث الموضوع مع فضيلة الشيخ عبد اللّه المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف في تاريخ نشرها بمجلة منبر الإسلام عدد ذى الحجة 1403 هـ.

(2) - مجلة البحوث الفقهية عدد 36 ص 194 - مجموع فتاوى ابن تيمية ج 32 - ص 131.

(3) - أخرجه ابن حبان في صحيحه , كتاب النكاح, باب الولي, رقم (4075) ج 9 ص 386 , وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد,. كتاب النكاح , باب ما جاء في الولي والشهود, رقم (7521) ج 4 ص 526.

(4) - - الأم للشافعي ج 5 ص 13 - المحلى ج 9 ص 32 - بداية المجتهد ج 2 ص 9 - الحاوي الكبير للماوردي ج 11 ص 57. , حكم توثيق عقد الزواج ص 30 - 40 د/ حسن خطاب - مستجدات في الزواج والطلاق أسامة عمر الأشقر ص 145 , ص 150 بتصرف - حكم الزواج العرفي د/ القرضاوي - موقع المنتدى بالشبكة العنكبوتية بتاريخ 18/ 4 / 1998 م.

(5) - فتاوى دار الإفتاء المصرية الموضوع 25 زواج عرفي مايو 1997 م المفتي الشيخ عطية صقر مجلة منبر الإسلام عدد ذي الحجة سنة 1403 ھ.

(6) - فقه السنة ج 2 ص 60 - المغني ج 7 ص 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت