وظاهر كلام الشيخ أن الحقيقة اللغوية مقدمة على العرفية، ولعل هذا غير مراد، فقد ذكر علماء الأصول أن الأصل تقديم الحقيقة الشرعية في تفسير نصوص الشرع، فما بينه الله ورسوله فقد عرف المراد منه، ولا يحتاج بعد ذلك إلى بيان ولا تفسير، فاسم الإيمان والإسلام، والنفاق والكفر، والصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما يراد بها في كلام الله ورسوله، وكذا لفظ الخمر وغيرها. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم … فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ) « (1) » ، فإن لم يكن للفظ معنى شرعي قدمت الحقيقة العرفية في تفسيره وبيانه، والمراد بها استعمال الصحابة - رضي الله عنهم - وعرفهم للألفاظ، لأن الشرع نزل بلغتهم وبعرفهم في الأصل، يقول ابن تيمية: (ولا يجوز أن يحمل كلامه [أي النبي - صلى الله عليه وسلم -] على عادات حدثت بعده في الخطاب لم تكن معروفة في خطابه، وخطاب أصحابه، كما يفعله كثير من الناس، وقد لا يعرفون انتفاء ذلك في زمانه) « (2) » .
فإن لم يكن للفظ معنى شرعي ولا عرفي، فُسِّر بحسب اللغة ولا ينتقل من الحقيقة إلى المجاز - عند القائل به - إلا إن تعذرت الحقيقة، وقامت قرينة على المراد كما تقدم.
(1) الإيمان لابن تيمية ص (271 - 272)
(2) المصدر السابق ص (111) .