وينبغي أن يعلم أن البيان ليس خاصًا بالمجمل، بل هو أعم من ذلك، فإن تخصيص العام بيان، وتقييد المطلق بيان، لوجود معنى الإظهار والإيضاح، وقد استهل الشافعي - رحمه الله - كتابه (الرسالة) بـ (باب البيان) ثم ذكر وجوهًا متعددة تدل على أن البيان عام في المجمل وغيره « (1) » .
قوله: (فما أجمله الشارع في موضع وبينه في موضع آخر …) دل على أمرين:
الأول: وقوع المجمل في الكتاب والسنة، كما في آيات الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك، وحكمة ذلك - والله أعلم - بالنسبة للوضع العربي تشويق النفس إلى البيان، وتشوفها إلى الإطلاع على المقصود، فإذا بُيِّنَ أتضح ورسخ في الذهن أكثر مما لو ورد اللفظ مبينًا لأول مرة، وبحسب الحكم الشرعي فإن سامع المجمل يستعد ويعقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه، فيؤجر على ذلك.
الثاني: أن المجمل قد حصل بيانه من الشارع، فلم يترك البيان عند الحاجة إليه أبدًا، وذلك أن ما يثبت به التكليف العملي ويتصل به الفقه فإنه يستحيل استمرار الإجمال فيه، فلا بد أن يكون الشارع قد بينه، فإن كان البيان وافيًا قطعيًا انتقل من وصف المجمل إلى وصف (المبيَّن) وإن بينه الشرع ببعض البيان مع بقية خفاء، صار من قسم (المشكل) فيحتاج إلى نظر واجتهاد لإزالة إشكاله ومعرفة المراد منه، وكأن الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين فتح الباب للتأمل والاجتهاد لمعرفة المعنى المقصود من ذلك، كالربا، فإنه ورد في القرآن مجملًا، وبينته السنة بحديث الأصناف الستة التي يجري فيها الربا، ولكن هذا البيان فيه بقية خفاء، لأنه لم يحصر الربا فيها، فجاز الاجتهاد لبيان ما يمكن أن يقاس على الأصناف المنصوص عليها.
(1) الرسالة ص (21) .