ومن أمثلة ذلك: حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) « (1) » مع حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، والله أعلم أذكر الثالث أم لا؟ ثم يخلف قوم يحبون السمانة يشهدون قبل أن يستشهدوا) « (2) » ففي الأول مدح من أتى بالشهادة قبل أن تطلب منه، وذلك بإثبات الخيرية، وفي الثاني ذمه حيث سيق مساق الصفات المذمومة، وقد جمع العلماء بينهما بأجوبة لعل من أظهرها أن حديث زيد بن خالد محمول على شهادة لا يعلم بها صاحب الحق، فيأتي الشاهد إليه فيخبره بها، لأجل أن يحفظ له حقه بهذه الشهادة، أو يكون في حقوق الله تعالى التي لا طالب لها، لا في حقوق الآدميين، وهذا مبني على أن الشهادة لا تؤدى قبل أن يطلبها صاحب الحق، كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
قوله: (ولا يعدل إلى النسخ إلا بنص الشارع) هذا الطريق الثاني لدفع التعارض، وهو العدول إلى النسخ، والنسخ له شرطان:
الأول: النص من الشارع على أن هذا متأخر وهذا متقدم، فينسخ المتأخر المتقدم.
الثاني: تعذر الجمع بين الدليلين.
ومثال ذلك حديث بريدة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) « (3) » فقوله: (فزوروها) نص من الشارع على أن النهي قد نسخ.
(1) أخرجه مسلم (1719) .
(2) أخرجه مسلم (2534) .
(3) أخرجه مسلم (977) .