ومثاله - أيضًا: الأمر بالقيام في الصلاة نهي عن ضده؛ وهو الجلوس، فإذا جلس من قيامه أثناء صلاة الفرض عمدًا لغير عذر بطلت صلاته، لأن أمره بالقيام نهي له عن الجلوس.
والأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، فالطلب له تعلق واحد بأمرين: فعل الشيء، والكف عن ضده، فباعتبار الأول هو أمر، وباعتبار الثاني هو نهي، وهذا من باب دلالة (الالتزام) وليس الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده، كما تقوله الأشاعرة ومن نهج منهجهم بناء على مذهبهم الباطل، وهو أن الأمر هو المعنى القائم بالذات المجرد عن الصيغة.
والمسألة الثانية: النهي عن الشيء أمر بضده. كقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء/32] ، فهو نهي في اللفظ عن قرب الزنا، وأمر بما يتم به الاستعفاف من حيث المعنى، من النكاح أو الصوم أو بمجرد ترك الزنا.
وبهذا يتبين أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، فالنهي عن القيام أمر بواحد من أضداده من القعود أو الاضطجاع أو غيرهما، لحصول الامتثال بذلك الواحد.
المسألة الثالثة: أن النهي يقتضي الفساد، إلا إذا دلَّ الدليل على الصحة، وهذه المسألة فيها تفصيل كما يلي:
أن يقترن النهي بقرينة تدل على الفساد أو الصحة فيعمل بها.
ومثال الأول: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب، وإذا جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا « (1) » .
فأبطل العوض عنه، وهذا إبطال للبيع وإفساد له، فالنهي قد اقتضى الفساد بالنص وهو قوله: (فإن جاء يطلب ثمن الكلب) .
(1) أخرجه أبو داود (3482) وإسناده صحيح، كما قال الألباني.