فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 114

ومثال الثاني: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها، وصاعًا من تمر) « (1) » .

فقد دل قوله: (إن شاء أمسكها) على صحة البيع، مع أنه نهى عن التصرية - وهي حبس اللبن في الضرع عند إرادة البيع - لكنه نهي لا يقتضي الفساد، لأن الفاسد لا يقره الشرع « (2) » .

أن يكون النهي لأمر خارج عن المنهي عنه، فهذا لا يقتضي الفساد، فيصح الفعل وتترتب آثاره عليه، مع الإثم بفعل المنهي عنه، لانفكاك الجهة.

ومثال ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) « (3) » ، فهذا نفي، مقتضاه النهي عن الصلاة عند حضور الطعام، وعند مدافعة البول والغائط، وذلك لما فيه من تفويت الخشوع، فالصلاة صحيحة على أحد القولين، وهو قول الجمهور، لأن النهي يعود على أمر ليس شرطًا في صحة الصلاة، بل تصح بدونه، كما دلت السنة على ذلك.

ومن أمثلة العقود: النهي عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، فإنه راجع إلى تفويته للصلاة، وهو غير لازم للبيع، لأنه قد يحصل بدون تفويت، لأنهما قد يتعاقدان وهما يسيران إلى الصلاة، فالبيع صحيح لاستيفائه شروط الصحة، ويبقى تفويت الجمعة يكون به آثمًا لأنه معصية، وهذا على أحد القولين في هذه المسالة، وقد تقدم القول الآخر.

أن يتجرد النهي من قرينة تدل على الصحة أو قرينة تدل على الفساد، فهذا هو النهي المطلق، فالأصل أنه يدل على الفساد، لما يلي:

أولًا: قوله - صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) « (4) » .

(1) أخرجه البخاري (2150) ومسلم (1515) (11) .

(2) انظر: مجموع الفتاوى (29/ 283) .

(3) أخرجه مسلم (560) من حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه قصة.

(4) تقدم تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت