فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 139

نسجّل هنا صورة الوجه الآخر للقضية، وهي أن كثيرًا من المسلمين أيضًا رأى في مؤسسات الاقتصاد الربوي طريق هلاك نفسي وانمحاق اقتصادي، وأفزعه ما ورد من تهديد ووعيد لآكلي الربا وموكليه ـ ولم يقتصر ذلك التهديد على الآكل والموكل، بل امتد إلى المشاركين والمساعدين من الكتبة والشهود ـ إلى جانب ما يرى من الانهيارات الاقتصادية التي تتسبب عن الربا، فآثر الانسحاب من الساحة وتقليص نشاطه ومعاملاته الاقتصادية إلى الحد الأدنى المسموح به شرعًا، لأنه عاجز عن إيجاد البدائل.

هذا الانسحاب، وإن كان يشكل مواقف فردية تعتصم بالتقوى، وتنأى بنفسها عن مواطن الشبه ـ والموقف الفردي قد يكون ضروريًا لأنه يدق ناقوس الخطر، ويشكل صوت النذير الذي يحذر من الانغماس في مؤسسات الاقتصاد الربوي ويستفز العقل المسلم، ويؤرقه للتفكير في إيجاد البديل الإسلامي ـ لكنه، على كل حال، لا يعتبر حلاًّ للمشكلة، أو يمنح القدرة على مواجهتها، وكيفية التعامل معها، حيث لا خيار من النزول إلى الساحة، وعدم الاعتداد بالمواقف الفردية الصارمة التي لا يمكن بأي حال أن ترفع الجماهير كلها إلى مستواها، وإذا أمكن الارتقاء بحس الجماهير المسلمة وتوثبها الروحي إلى مستوى المقاطعة للاقتصاد الربوي لفترة، فإنما يعني ذلك إيقافًا للمشكلة وليس حلاًّ لها.

وقد تكون مشكلة كثير ممن وقعوا في أسر الرؤى الاقتصادية غير الإسلامية، بسبب من تحكم مناخهًا، أو الدراسة في جامعاتها، وفقر في المعرفة الإسلامية، أنهم عاجزون عن الإدراك، ومن ثمّ التسليم بأن هناك نهجًا اقتصاديًا غير الذي درسوه. لذلك، نجدهم يستغربون ويستنكرون ويجفلون، وقد يسخرون، عندما يلقى على مسامعهم بأن هناك نهجًا اقتصاديًا إسلاميًا متميزًا مرشحًا لإنقاذ الإنسان من ورطاته وأزماته المتلاحقة، وأن منطلقاته وأهدافه وفلسفته بشكل عام موجودة بالكتاب والسنّة وقد ترجمت إلى برامج وأشكال وأوعية وسعت حركة المجتمع الاقتصادية في عصر الاجتهاد والتألق الإسلامي، وأن المشكلة اليوم في العقل الذي توقف عن تصنيع تلك المواد الخام، وتحويل المبادئ والقيم الاقتصادية إلى برامج وأوعية تسع حركة المجتمع المسلم على هدي تلك القيم والمبادئ، وجنح إلى التقليد والمحاكاة، سواء كان التقليد داخليًا، وذلك باستدعاء تلك الأشكال والأوعية والحلول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت