يقول الماوردي: إن على المحتسب أن يمنع من المعاملات المنكرة، حتى وإن تراضى المتعاقدان بها (ص 284) . ما قاله الماوردي هنا يثير قضايا متعددة، يثير أولًا القضية الأم في الاقتصاد الإسلامي، وهي قضية حلية ومشروعية النشاط الاقتصادي، وهذا من أهم ما يميز بين الاقتصاد الإسلامي وغيره من الاقتصاديات الوضعية، الذي يؤسس عليه الاقتصاد، وإنما المعتبر أولًا هو حلية ومشروعية الأنشطة وأيضًا ليس المعتبر أولًا في الاقتصاد الإسلامي فرض الرشد الاقتصادي، وهو الفرض الذي يؤسس على الاقتصاد، وإنما المعتبر أولًا هو حلية ومشروعية الأنشطة الاقتصادية، ثم بعد هذا يجيء النظر في الرشد الاقتصادي في النشاط موضوع البحث.
ثم قضية تواجهنا في العصر الحاضر، وهي تتصل اتصالًا قويًا بموضوع الربا بصفة خاصة، نواجه بمن يقول بشأن المعاملات الربوية: مادام الطرفان قد رضيا بهذه المعاملة، لأن كلاهما يرى فيها تحقيق مصلحة له فلماذا نمنعها؟ ما قرره الماوردي يرد على هذا السؤال الاعتراضي. الأمر في النشاط الاقتصادي من وجهة نظر الإسلام هو أمر حلية ومشروعية، وهذه هي قاعدة الأساس.
وحلية ومشروعية النشاط الاقتصادي تدور من وجهة نظر الإسلام على محور أوسع من محور المصلحة الخاصة للفرد. إن أمر الحلية والمشروعية يدور إسلاميًّا مع العقيدة، ومع مصلحة المجتمع، ثم مع المصلحة الخاصة، وعلى هذا النحو نمنع إسلاميًّا المعاملات المحرمة حتى وإن تراضى بها الطرفان فإننا نحقق إلزامات اقتصادية إسلامية.
المبحث السادس
من أخلاق النظام المالي الإسلامي
الكلام عن (أخلاق) النظام المالي، يعتبره الاقتصاديون خروجًا على اللحن الاقتصادي، ذلك أن علم الاقتصاد الوضعي تقرر فصله عن الأخلاق منذ القرن التاسع عشر، بل يعتبر الاقتصاديون أن هذا الفصل هو الذي قاد إلى تأسيس (( علم ) )الاقتصاد، بعد أن كانت المعالجات الاقتصادية مجرد