وهكذا فإن العناصر الاقتصادية ذات الأهمية في وظيفة المحتسب المتعلقة بالحق العام في حقوق الآدميين تدور بين فكرة العامة وفكرة المحلية. ومن باب الاستطراد أن أذكر أنه يلزم بذل مجهود في البحث لتأصيل هاتين الفكرتين، وسوف يكشف ذلك عن تميز في المالية الإسلامية.
يتعلق الفصل الثاني من فصول الحسبة، بالنهي عن المنكر، ويشتمل على ثلاثة أقسام أحدهما ما يتعلق بالعبادات، والثاني ما يتعلق بالمحظورات، والثالث ما يتعلق بالمعاملات. والقسم الثالث هو الذي يدخل دخولًا مباشرًا في دراستنا الاقتصادية.
تتسع وظيفة المحتسب في المعاملات اتساعًا كبيرًا، فمن مسؤوليات وظيفته: منع غش المبيعات، وتدليس الأثمان، ومراقبة المكاييل والموازين (ص 285) ويشبه عمل المحتسب في هذه الوظيفة عمل وزارة التموين والأجهزة التابعة لها. ومن مسؤوليات وظيفته أنه يراعي من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف: منهم من يراعي عمله على الغرر والتقصير، ومنهم من يراعي حاله في الأمانة والخيانة، ومنهم من يراعي عمله في الجودة والتقصير (ص 287) ، وعمل المحتسب في هذا المجال أوسع من أن تشمله وظائف وزارة التموين، بعضه يدخل في عمل وزارة الاقتصاد. ومن مسؤوليات وظيفته أنه يراقب الحقوق المشتركة بين الناس، وذلك مثل المنع من الإشراف على منازل الناس (ص 288) ، ومنع أصحاب السفن من حمل ما لا تسعه (ص 289) ، وعمل المحتسب هنا يدور بين اختصاص وزارة الداخلية ووزارة العدل.
هذه بعض وظائف المحتسب، وهي تدور على أبعاد متعددة، بعضها أبعاد اقتصادية، وبعضها أبعاد غير اقتصادية.
وبالإضافة إلى ما سبق تقديمه من آراء (فقهية) للماودري عن هذه الوظائف، نحاول تقديم نموذج آخر، له صلته القوية بدور الدولة الرقابي في الإسلام.