يمثل الإلزام بأن يغطي الاستثمار الأنشطة الاقتصادية الضرورية للمجتمع، الأداة الثانية التي استخدمها الإسلام لتحقيق التنمية، كأحد ضوابط المنهج الإسلامي للاستثمار. ويمكن الاستدلال على هذا النوع من الأدوات بالحكم الإسلامي المعروف: فرض الكفاية. (1) ويعني هذا المصطلح أن القيام بما يلزم للجماعة الإسلامية يكون فرض كفاية: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وبتطبيق هذا النوع من الأحكام على النشاط الاقتصادي نستنتج أنه إذا كان هناك نشاط اقتصادي مشروع يلزم للجماعة الإسلامية كضرورة، يكون القيام به، أي تنفيذه وتوجيه الاستثمارات إليه فرض كفاية على جميع المسلمين ككل. فإذا قام بهذا الاستثمار ببعض أفراد المجتمع الإسلامي فإن هذا يكفي، وتسقط المسؤولية عن باقي أفراد الجماعة الإسلامية. وفي المقابل، إذ لم يقم بهذا الاستثمار أحد، مع وجود القادرين عليه، تظل المسؤولية واقعة على جميع المسلمين وأعتقد أن الشيخ محمود شلتوت قد استند إلى هذا حين قال: (( إذا كان من قضايا العقل والدين أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكانت عزة الجماعة الإسلامية أول ما يوجبه الإسلام على أهله، وكانت متوقفة على العمد الثلاثة: الزراعة والصناعة والتجارة، كانت هذه العمد واجبة، وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خير الأمة واجبا ) ) (1) . أريد أن أشير إلى أهمية هذا النوع الفريد من الأحكام في الإسلام، وهو فرض كفاية، وهو حكم قصد به مواجهة ضروريات سوف تواجه المجتمع الإسلامي. كما أريد أن أشير إلى أننا تعلقنا بهذا الحكم طويلا من خلال تطبيقاته في العبادات، كما أنه ارتبط بفكرنا من حيث ربطه بحالات من الجهاد. والآن وأمام تحديات كثيرة ومعقدة تواجه العالم الإسلامي، هي في غالبيتها اقتصادية، يحب أن نربط هذا الحكم الهام، وهو فرض الكفاية، بمثل هذا النشاط. إن فرض الكفاية كأحد الأحكام الإسلامية، هو فرض ليس له نظير في التشريعات الوضعية، سواء منها ما تعلق بالاقتصاد أو بغير الاقتصاد. وهو فرض فريد من حيث تكييفه القانوني. هذه الآداة، أي الإلزام بتغطية كل الأنشطة الاقتصادية اللازمة للمجتمع تعني أن الاستثمارات توجه إلى الأنشطة الضرورية للمجتمع الإسلامي، ولن ترتبط بمعيار الربح، بمعناه المادي والأناني في الاقتصاد، الذي يعرف الربح بأنه العائد النقدي من الاستثمار. ويكون الاستثمار أعلا ربحية حين يحقق أكبر عائد نقدي. لكن من وجهة النظر الإسلامية، يكون الاستثمار أعلا ربحية حيث يوجه إلى النشاط