العالم الأوروبي سيطرة تامة: ما كان شيء يفعل، أو شيء ينتهي فيه الأمر، ولا شئ يقام أو يهدم وما كان إنسان يقدم على أمر، وما كان إنسان يحجم عن أمر، إلا باستئذان الكنيسة، وباستئذان رجال الدين، ولكن الكنيسة ورجال الدين تعسفوا في استعمال سلطتهم حتى لقد أنشأوا محاكم التفتيش. وقد كتب الأوروبيون والمسيحيون عن محاكم التفتيش كثيرًا، وصوروها في أبشع مظاهرها، وفي أسوأ صورها، كتب الكاثوليك، وكتب البروتستانت، وكتب الفرنسيون وكتب الإنجليز كتب كل هؤلاء ـ وهم رجال المسيحية ـ فيما يتعلق بهذا الأمر. ولقد وضحوا وبينوا أن الكبت الذي كان يغمر أوروبا في ذلك العصر ولد الانفجار، واتخذ الانفجار اتجاهًا معينًا، اتخذ الاتجاه الإنساني وأخذ قادة الحضارة يتحدثون عن الإنسان، بما يوحي بانفصال الإنسانية عن الألوهية، أو انفصال الإنسانية عن الكنيسة، أو انفصال الإنسان عن الدين، أو بالتعبير الحديث انفصال الدين عن الدولة، فالإنسان له عقله، له منطقه ويجب أن يسير بهذا العقل، وبهذا التفكير وبهذا المنطق (1) .
هذا هو التفسير لجعل مصدر المعرفة الاقتصادية في الرأسمالية هو الإنسان وإبعاد الدين كلية عن ذلك، وهذا الأساس على هذا النحو أوروبي بحت.
وهذا الأساس على هذا النحو من حيث موضوعه في تناقض مع الإسلام، ثم هذا الأساس من حيث جذوره التاريخية، هو غريب على المجتمعات الإسلامية.
وما قيل عن هذا الأساس يقال عن الأسس الأخرى للرأسمالية.
لهذا أقرر بأن الرأسمالية من حيث أسسها العقيدية والفلسفية والأخلاقية ليست صالحة لأن تحكم الأمم كلها، وعلى الأخص أمتنا الإسلامية، وما قيل عن الرأسمالية يقال عن الاشتراكية.
أعطى الفصل الأول من هذا الكتاب اهتمامًا لمناقشة العلاقة بين الفقه والاقتصاد، وتبين أن موضوع الفقه الاقتصادي هو الأحكام الشرعية المتعلقة بأمور اقتصادية، بينما موضوع الاقتصاد، الذي يتولد من تطبيق الفقه الاقتصادي.