فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 580

فيقال رجل رحيم، وفائدة الجمع بين الصفتين الرحمن والرحيم الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وخاصة وعامة.

قال ابن القيم: وأسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافي بين العلمية والوصفية، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميته وصفيته، فمن حيث هي صفة جرى تابعًا على اسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع بل ورد الاسم العلم، ولما كان هذا الاسم مختصًا به تعالى حسن مجيئه مفردًا غير تابع كمجئ اسم الله كذلك وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمة كاسم الله فإنه دال على صفة الألوهية، ولم يجيء قط تابعًا بل متبوعًا، وهذا بخلاف العليم، والقدير، والسميع، والبصير، ونحوها ولهذا لا تجيئ هذه مفردة بل تابعة فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر، وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعًا.

وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل فالأول على أن الرحمة صفته و الثاني دال على أنه يرحم حلقة برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: من الآية 117) ولم يجئ قط رحمن بهم فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة ورحيم هو الراحم برحمته وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها.

وقال ابن القيم: تضمنت بسم الله الرحمن الرحيم إثبات النبوات من جهات عديدة: الأول من اسم الله وهو المألوه المعبود ولا سبيل إلى معرفة عبوديته إلا من طريق رسله، الثاني من اسمه الرحمن فإن رحمته تمنع إهمال عباده وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية السعادة، فمن أعطى هذا الاسم حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب فاقتضاء الرحمة لما يحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها ما يحصل به حياة الأبدان والأشباح اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت