فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 580

واحد من المفسرين يقولن {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي ارتفع، وقال محمد بن جرير في قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} : أي علا وارتفع، وأنكر الجهمية والمعتزلة علو الله على خلقه واستواءه على عرشه وحرفوا معاني النصوص ففسروا الاستواء بالاستيلاء أو الإقبال على خلق العرش إلى غير ذلك من التأويلات الباطلة، فإنه لا يقال استولى على الشيء إلا لمن له مضاد، فيقال لمن غلب من المتضادين: استولى عليه، والله تعالى لا مضاد له، والذين أولوا الاستواء بالاستيلاء متأخرو النحاة ممن سلك طريق الجهمية والمعتزلة، والذين قالوا ذلك لم يقولوه نقلًا وإنما قالوه استنباطًا وحملًا منهم للفظة استوى على استولى، واستدلوا بقول الشاعر:

قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف أو دم مهراق

وهذا البيت محرف وإنما هو هكذا:

قد استولى بشر على العراق

على أنه لا يصح ولا يعرف قائله ولو صح لم يكن فيه حجة لهم بل هو حجة عليهم وهو على حقيقة الاستواء، فإن بشرًا هذا كان أخا عبد الملك بن مروان وكان أميرًا على العراق فاستوى على سريرها كما هي عادة الملوك ونوابها أن يجلسوا فوق سرير الملك مستويين عليه، وهذا هو المطابق لمعنى هذه اللفظة في اللغة.

وأيضًا فاستواء الشيء على غيره يتضمن استقراره وثباته وتمكنه عليه، واستواء بشر على العراق يتضمن استقراره وثباته عليها ودخوله دخول مستقر ثابت غير مزلزل، وهذا يستلزم الاستيلاء أو يتضمنه فالاستيلاء لازم معنى الاستواء لا في كل موضع بل في الموضع الذي يقتضيه ولا يصلح الاستيلاء في كل موضع يصلح فيه الاستواء بل هذا له موضع وهذا له موضع ولهذا لا يصح أن يقال: استولت السنبلة على ساقها، ولا استولت السفينة على الجبل، و لا استولى الرجل على السطح، إذا ارتفع فوقه، ولو كان المراد بالبيت استيلاء القهر والملك لكان المستوى على العراق عبد الله بن مروان لا أخوه بشر لأنه نائب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت