فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 580

له بخلاف الاستواء الحقيقي وهو الاستقرار فيها، والجلوس على سريرها، فإن نواب الملك تفعل هذا باذنهم، ومما يبطل دعوى المجاز تجريد الاستواء من اللام واقترانه بحرف على وعطف فعله بثم على خلق السماوات والأرض وكونه سابقًا في الخلق على السماوات والأرض وذكر تدبير أمر الخلق معه الدال على كمال الملك فإن العرش سرير المملكة فأخبر أن له سريرًا كما قال أمية بن أبي الصلت:

مجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرًا

بالبناء الأعلى الذي سبق الخلـ ... ق وسوى فوق السماء سريرًا

شرجعا ما يناله بصر العين ... ترى حوله الملائك صورًا

وصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشهده الأسود ابن سريع، فقد استوى على سرير ملكه يدير أمر الممالك، وهذا حقيقة الملك فمن أنكر عرشه وأنكر استواءه عليه أو أنكر تدبيره، فقد قدح في ملكه، فهذه القرائن تفيد القطع بأن الاستواء على حقيقته، ولو كان الاستواء بمعنى الملك والقهر والدوام لجاز أن يقال استوى على ابن آدم وعلى الجبل وعلى الشمس وعلى القمر وعلى البحر وعلى الشجر وعلى الدواب وهذا لا يقوله مسلم، وقد أطلق أعلم الخلق بربه عيه أنه فوق العرش كما في حديث ابن عباس"والعرش فوق الماء والله فوق العرش"وهذه الفوقية هي تفسير الاستواء المذكور في القرآن والسنة.

ومن الوجوه التي يرد بها على من أول الاستواء بالاستيلاء أن الاستواء خاص بالعرش والاستيلاء عام على جميع المخلوقات، ومنها أنه أخبر بخلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش وأخبر أن عرشه على الماء قبل خلقهما، والاستواء متأخر على خلقهن، والله مستول على العرش قبل خلق السماوات وبعده فعلم أن الاستواء على العرش الخاص غير الاستيلاء علام عليه وعلى غيره، ومنها أن معنى الكلمة مشهرو كما قال بعض السلف، وأنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلومًا لم يحتج الإمام مالك رحمه الله أن يقول والكيف مجهول، لأن نفي العلم بالكيف لا ينفي ما قد علم أصله ومنها أنه يلزم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت