أبا عبد الله قول الله تعالى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة:23) يقول قوم إلى ثوابه فقال كذبوا فأين هم عن قوله تعالى {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (المطففين:15) .
ومن حيث النظر أن كل موجود يصح أن يرى وهذا على سبيل التنزيل وإلا فصفات الخالق لا تقاس على صفات المخلوقين وتعقب ابن التين من زعم أن الرؤية بمعنى العلم بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين تقول رأيت زيدًا فقيهًا أي علمته فإن قلت رأيت زيدًا منطلقًا لم يفهم منه إلا رؤية البصر ويزيد تحقيقًا قوله في الخبر"إنكم سترون ربكم عيانًا"لأن اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم.
وقال ابن بطال ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثًا وحالًا في مكان وأولوا قوله ناظرة بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى، وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلق بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي اهـ.
وأما ما روى عمن تأول ذلك بأن المراد بإلى مفرد الآلاء وهي النعم فقد أبعد النجعة وأخطأ فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} (المطففين:15) .
وقال الشافعي رحمه الله: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن المؤمنين يرونه عز وجل، ثم قوله: تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة وهي قوله {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} اهـ.
وقوله: وهذا الباب في كتاب الله كثير من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه تبين له طريق الحق، يريد باب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وما يستحقه سبحانه من إفراده بالعبادة وترك عبادة ما سواه فقد أفصح القرآن عنه كل الإفصاح، وأغلب سور القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العملي الخبري. وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له