فالشوقُ لذَّة رُوحِهِ في هذه الدُّ ... نيا وَيَوْمَ قِيَامَةِ الأبدَانِ
تلتذ بالنظر الذي فازت به ... دون الجوارح هذه العينان
واللهِ ما في هذه الدنيا ألذ ... من اشتياق العبد للرحمن
وكذاك رؤية وجهه سبحانه ... هي أكمل اللذاتِ للإنسان
قال الشيخ: وأما احتجاج النفاة بقوله تعالى {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (الأنعام: من الآية 103) فالآية حجة عليهم لا لهم لأن الإدراك إما أن يراد به مطلق الرؤية أو الرؤية المفيدة بالإحاطة والأول باطل لأنه ليس كل من رأى شيئًا يقال أدركه، كما لا يقال أحاط به، كما سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى قال: أكلها ترى؟ قال: لا ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال إنه أدركها، وإنما يقال أدركها إذا أحاط بها رؤية، ونحن في هذا المقام ليس علينا بيان ذلك وإنما ذكرنا هذا بيانًا لسند المنع، بل المستدل بالآية عليه أن يبين أن الإدراك في لغة العرب مرادف للرؤية، وأن كل من رأى شيئًا يقال في لغتهم إنه أدركه، وهذا لا سبيل إليه، كيف وبين لفظ الإدراك والرؤية عموم وخصوص فقد تقع رؤية بلا إدراك وقد يقع إدراك بلا رؤية أو اشتراك لفظ وأن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد كالأعمى الذي طلب رجلًا هاربًا فأدركه ولم يره وقد قال تعالى {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء:61،62) فنفى موسى الإدراك مع إثبات الترائي، فعلم أنه قد يكون رؤية بلا إدراك، والإدراك هنا هو إدراك القدرة أي محلوقون محاط بنا، وإذا انتفى هذا الإدراك فقد انتفى إحاطة البصر أيضًا.
ومما يبين ذل أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه سبحانه وتعالى ومعلوم أن كل شيء لا يرى ليس صفة مدح لأن النفي المحض لا يكون مدحًا إن لم يتضمن أمرًا ثبوتيًا لأن المعدوم أيضًا لا يرى والمعلوم لا يمدح فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه وإن كان المنفي