فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 580

هو الإدراك فهو سبحانه لا يحاط به علمًا ولا يلزم من نفي إحاطة العلم الرؤية بل يكون ذلك دليلًا على أنه يرى ولا يحاط به فإن تخصيص الإحاطة يقتضي أن الرؤية ليست بمنفية وهذا الجواب قول اكثر العلماء من السلف وغيرهم.

وقد روي معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره فلا تحتاج الآية إلى تخصيص ولا خروج عن ظاهر الآية فلا نحتاج أن نقول: لا نراه في الدنيا أو نقول: لا تدركه الأبصار بل المبصرون، أو لا تدركه كلها بل بعضها ونحو ذلك من الأقوال التي فيها تكلف اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله بعد أن ساق خمسة أدلة على الرؤية: الدليل السادس: قوله عز وجل {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: من الآية 103) والاستدلال بهذا أعجب فإنه من أدلة النفاة وقدر قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه وقال لي أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله فيها فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق التمدح ومعلوم أن المدح إنما يكون بالصفات الثبوتية وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به وإنما يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال الصمدية وغناه ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثال المتضمن لكمال ذاته وصفاته ولهذا لم يمتدح بعدم محض لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكمال بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} (الأنعام: من الآية 103) أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض فإذًا المعنى أنه يرى ولا يدرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت