ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} (يونس: من الآية 61) أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} (قّ: من الآية 38) أنه كامل القدرة وفي قوله {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: من الآية 49) أنه كامل العدل وفي قوله {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} (البقرة: من الآية 255) أنه كامل القيومية فقوله {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} يدل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء وأنه في عظمته لا يدرك بحيث يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية كما قال تعالى {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء:61،62) فلم ينف موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم: إنا لمدركون إنا لمرئيون، فإن موسى صلوات الله وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله"كلا"وأخبره سبحانه أنه لا يخاف دركهم بقوله {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى} (طه:77) ، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر ولا يحاط به وهذا هو ما فهمه الصحابة والأئمة من الآية.
قال ابن عباس: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} لا تحيط به الأبصار، قال قتادة هو أعظم من أن تدركه الأبصار، وقال عطية: ينظرون إلى الله ولا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: من الآية 103) ، فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانًا، لا تدركه أبصارهم، بمعنى أنها لا تحيط به إذا كان غير جائز أن يوصف الله عز وجل بأن شيئًا يحيط به وهو بكل شيء محيط.
وتأمل حسن هذه المقابلة لفظًا ومعنى بين قوله {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} (الأنعام: من الآية 103) فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفى عليه فهو العظيم في لطفه اللطيف في عظمته العالي في قربه القريب في علوه الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، اهـ.