بهذه البراهين اتفاقهما من وجه واختلافهما من وجه فمن نفى ما اتفقا فيه كان معطلا قائلًا للباطل، ومن جعلهما متماثلين كان مشبهًا قائلًا للباطل والله أعلم.
وذلك لأنهما وإن اتفقا في مسمى ما اتفقا فيه فإن الله تعالى مختص بوجوده وعلمه وقدرته وسائر صفاته والعبد لا يشركه في شيء من ذلك، والعبد أيضًا مختص بوجوده وعمله وقدرته والله تعالى منزه عن مشاركة العبد في خصائصه (ا هـ من م م) .
وفيه: وبين الخالق والمخلوق من الفروق ما لا يخفى على ذي بصيرة منها أن الرب غني بنفسه عما سواه ويمتنع أن يكون مفتقرًا إلى غيره بوجه من الوجوه والملوك وسادة العبيد محتاجون إلى غيرهم حاجة ضرورية، ومنها أن الرب وإن كان يحب الأعمال الصالحة ويرضى ويفرح بتوبة التائبين، فهو يخلق ذلك وييسره فلم يحصل ما يحبه ويرضاه إلا بقدرته ومشيئته، والمخلوق قد يحصل له ما يحبه بفعل غيره.
ومنها: أن الرب أمر العباد بما يصلحهم ونهاهم عما يفسدهم بخلاف المخلوق الذي يأمر غيره بما يحتاج إليه وينهاه عما ينهاه عنه بخلًا عليه، ومنها أنه سبحانه هو المنعم بإرسال الرسل، وإنزال الكتب وهو المنعم بالقدرة والحواس وغير ذلك، مما يحصل به العلم والعمل الصالح وهو الهادي لعباده فلا حول ولا قوة إلا به، ولهذا قال أهل الجنة {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} (لأعراف: من الآية 43) وليس يقدر المخلوق كل شيء. ومنها أن نعمة على عباده أعظم من أن تحصى فلو قدر أن العبادة جزاء النعمة لم تقم العبادة بشكر القليل منهما فكيف والعبادة من نعمته أيضًا.
قال بعضهم:
إذا كان شكري نعمةً نعمةً ... عَليَّ إذًا في مِثْلِهَا يَجبُ الشُكْرُ
فكَيفَ بلوغُ الشُكْرِ إلا بِفضلِهِ ... وإن طَالَتِ الأيامُ واتَّصَلَ العُمْرُ
ومنها أن العباد لا يزالون مقصرين محتاجين إلى عفوه ومغفرته فلن يدخل أحد الجنة بعمله. وما من أحد غلا وله ذنوب تحتاج إلى مغفرة الله. ا ه من كتاب التوسل والوسيلة.