فالواقع الإسلامي اليوم موروث عن عصور الانحراف والبعد عن شريعة الله عز وجل، لذا فإن فهمه بعيدًا عن تاريخه لن يؤتي الثمار المرجوة، وقد يأتي بعكسها.
هذا الانحراف أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وبالتحولات التي ستطرأ على تاريخ الأمة الإسلامية في مجال السياسة والحكم خاصة، يقول عليه الصلاة والسلام: «لَيُنْقَضَنَّ عرى' الإسلام عروة عروة، فكلما انتَقَضَتْ عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأوَّلُهُن نقضًا الحكم، وآخرُهُنَّ الصلاة» (25) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جَبْرِيّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ... » (26) .
هذا الحديث الشريف يبين لنا المراحل التي تقطعها الأمة الإسلامية، وتحول الخلافة إلى ملك عاض ثم جبري .. فالمرحلة الأولى وهي مرحلة النبوة، كان النبي صلى الله عليه وسلم الحاكم والإمام .. والمرحلة الثانية، مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، مرحلة الخلفاء الراشدين، ساروا على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، أمرنا باقتفاء أثرهم .. وأما المرحلة الثالثة، وهي فترة الملك العاض، انتهت الخلافة وغابت الشورى من ميدان الحكم والسياسة، ومن هنا بدأ الانحراف الذي استمر إلى المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الملك الجبري الديكتاتوري، حيث دخلت العلمانية وانفصل الدين عن الدولة، وغيبت الشريعة الإسلامية من جل المجالات وأبدلت بنظم وقوانين غربية بعيدة عن ملامسة هموم الأمة وآمالها وآلامها. «فمن الفقه العميق لما حل بنا من انحطاط أمس البعيد والقريب يبدأ التغيير» (27) .