انظر كيف جعلتهم المقاصد يفعلون أمورًا لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، معتبرين في ذلك مصلحة الأمة ومتطلبات واقعها ... وهذا ما جعل أبا بكر يستخلف عمر، ويحارب مانعي الزكاة، ويجمع المصحف، وعثمان يكتبه ... رضي الله عنهم.
وتحدثنا كتب الفقه والسير والتاريخ عن اجتهادات عمر رضي الله عنه المأخوذة من واقع الناس والمكيفة معه .. ولكننا نجد كثيرين يجعلونها قدوتهم فيما يرون أن يجتهدوا طبقًا للواقع .. من هنا ارتأينا الكلام عن أهم اجتهادات عمر رضي الله عنه (71) ، لنزيل -ما أمكننا ذلك- انتحال المبطلين وتأويل الغالين وخطأ الجاهلين وتعصب الجامدين.
1 -عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي حاطب، أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتي بهم عمر فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء، فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصلت، اذهب فاقطع أيديهم. فلما ولى بهم ردهم عمر، ثم قال: أما والله أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم، وأيم الله، إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك، قال: بأربعمائة، قال عمر: اذهب فأعطه ثمانمائة) (72) .
ونستفيد من هذه الواقعة:
-أن عمر رضي الله عنه لم يبن حكمه على ظن أو احتمال، بل على علم، وهذا ما يستفاد من قوله: (أما والله أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم ... ) .
-أن الحالة التي تشخصها هذه الواقعة ليست من الأحوال العامة، وإنما هي حالة استثنائية، وهنا نطرح سؤالًا على أولئك الذين يريدون أن تشمل ما لا تطيقه ويجعلونها عامة: هل وصل لنا أن عمر لم يقم حدًا بعد هذه الواقعة؟